حين يصبح الفقد جزءًا من الحكاية



بقلم
المهندس محمد توفيق صعابنة
الحكاية:صديق طفولة الاخ أيمن أبو رجيع ( رحمة الله )
في بعض الصداقات لا نتذكر كيف بدأت، لأننا ببساطة لا نتذكر أنفسنا قبلها كان أيمن أبو رجيع واحدًا
من القلائل الذين دخلوا حياتي مبكرًا إلى درجة أن ذاكرتي تكاد تخلط بين حضوره وبين البدايات
نفسها من مدرسة الحسن بن الهيثم في الزاوية الخلفية ما بين شارع ايدون وشارع الهامي مرورا
إلى مدرسة حمزة بن عبد المطلب الاعدادية في نهاية شارع الرشيد الذي سنكرس لة ست سنوات
من حياتنا ومن مقعدٍ جمعنا في الأول الإعدادي إلى سنواتٍ أعادتنا إلى بعضنا كلما ظننا أن الطرق
قد تفرقت… ظلّ أيمن حاضرًا كما تحضر الأشياء الأصيلة؛ بلا ضجيج، وبلا حاجة إلى إثبات ….. كبرنا
معًا تقاسمنا تفاصيل العمر الصغيرة، وسهراته الطويلة، وحتى أخطاءه العابرة كنا نتبادل السجائر كما
يتبادل الأصدقاء أسرارهم، ونراقب دخانها يتلاشى في الهواء دون أن يخطر ببالنا أن السنوات نفسها تفعل بنا الأمر ذاته
لم يكن صديقًا فحسب كان أقرب إلى أخٍ اختارته الأيام بدل أن تفرضه القرابة شغوفا بكل ما يرهف
الحسن كالموسيقى والعزف اتقن عزف العود بجهد ذاتي والايقاع وعزف في فرقة جامعة اليرموك
وفي احدى الرحلات الى العقبة كتب عنه الاخ والصديق هاني يارد تحت عنوان
عازف ليل . . . حيّرت ألبي معاك!
في الستينيات وبواكير السبيعينيات كانت القيلولة في الصيف جزءا عضويا من حياة أهل إربد الهادئة
وكثيرا ما كانت مرتبطة بأخبار المذياع وبأغاني أم كلثوم. كنتُ أحس أن كل أهل إربد يغطون
في سبات عميق لذيذ بعد الغداء، إذ لم يكن التلوث السمعي قد حل في تلك البلدة الكبيرة:
فعدد السيارات، والسكان أيضا، كان قليلا.
ثانيا، كان ثمة مساحات فارغة غير مأهولة بين الأحياء، مما كان يساعد في إضفاء أجواء هادئة على بلدتنا . . .
كمعظم الأطفال لم أستسغ القيلولة الإجبارية ولا أغاني أم كلثوم ولا حتى أم كلثوم نفسها.
هي امرأة كبيرة بالسن تمسك منديلا، تعيد وتزيد في لازمة لفترات طويلة.
كنت أراها على شاشة التلفزيون مملة، وسماعها من المذياع لا يقل إملالا عن مشاهدتها.
في الثالث الثانوي راقت لي قصيدة “الأطلال” للشاعر إبراهيم ناجي المقررة في كتاب تاريخ الأدب
أحد الكتب الأثيرة لدي في ذلك الصف. وكان مطلوبا من الطلاب استظهار أربعة أبيات من القصيدة
وكان ينبهنا الأستاذ الرائع كمال الخوري إلى ضرورة كتابة كلمة “ارو” كتابة صحيحة في بيت “وارو عني طالما الدمع روى”.
الغيرة من البنات
في الشهر الثالث من عام 1981 وبعد أن علم بعض الشباب في مركز شباب إربد أن مركز شابات
إربد ينظمون رحلة إلى العقبة، دبت في قلوب شباب مركز رعاية شباب إربد الغيرة لتنظيم رحلة
تتزامن ورحلة البنوتات إلى العقبة، وما فيش حد أحسن من حد.
لكن تبين للشباب أن العدد غير كاف لاستئجار باص، فوصل الخبر لبعض منا في مدرسة ثانوية الأمير
حسن، وكنتُ من بين المسجلين في الرحلة، وأيمن أبو إرجيع (رحمه الله)، ونبيل الذيب
وأيمن أبو دلو، وأيمن عصري رواشدة، . . .
في أول ليلة نزلنا ضيوفا على مركز رعاية شباب العقبة.
عازف الليل
عند منتصف الليل، وقد هدنا تعب الرحلة البالغة 360 كيلو مترا، خيم هدوء جميل على المركز
وضيوفه ونحن ننظر إلى البحر من نافذة مستطيلة والسفن الراسية في الأفق تصدر إلينا أضواءها.
تناول أيمن عوده، وبدأ يدوزنه، لكني في البداية أحسست أنه لا يعرف ما سيعزف، وأن ليس لديه ما يعزفه.
بعد دقائق بدأت دندنته تتبلور شيئا فشيئا، فحتى من كان داعبه النوم، نهض واقترب وأنا بعد أن كنت
أشعر بشيء من السأم، أحسست أن هناك مفاجأة وراء هذا العزف الأنيق الذي كان يتناسب وشخصية العازف الأنيقة.
عزف أيمن وغنّى أغنية بكثير من الرصانة والرجولة:
حيّرت قلبي معاك وأنا بداري واخبي
قولي أعمل إيه وياك، ولا أعمل إيه ويا قلبي
بدي أشكيلك من نار حبي، بدي أحكيلك علي في قلبي
وأقولك عالّي سهرني، وأقول لك عالّي بكاني
وأصور لك ضنى روحي وعزة نفسي منعاني
…..
…..
بقيت مندهشا من كلمات الأغنية ولحنها، وصدمت أن مثل تلك الأغنية موجودة ضمن أغاني أم
كلثوم، تلك المملة، بل استغربت أن أحدا أصلا فكر بتلك الفكرة:
أن يتنازعه البوح وعزة النفس. بعد تلك السهرة العقباوية أدركت أني أصبحت من نادي “السميعة” الذين يمكنهم أن يستمعوا لأم
كلثوم قبل القيلولة وبعدها، وأدركت كذلك أن دوزنة العود لا تعني أن العوّاد لا يعرف ما سيعزف!
رحم الله أيمن رفيقي في المرحلة الابتدائية في مدرسة راهبات الوردية في إربد، وفي مدرسة
حمزة وثانوية الأمير حسن وجامعة اليرموك هاني يارد استعرت ما كتبة الاخ هاني
لحميمية الفكرة واخلاصها للاخ ايمن رحمة الله وكم كانت تعبر عن روحة وهواة
وحين رحل أخوه الأصغر، ذلك الفتى الذي كان ابنًا للجميع وأخًا للجميع، شعرت أن شيئًا انكسر
في قلب أيمن إلى الأبد بعض الرجال يواصلون السير بعد الفقد، لكنهم لا يعودون كما كانوا.
ثم جاءت زمن من كورونا
…….. وجاء الرحيل ببساطته القاسية ذهب بلا صخب بعكس حياتة المليئة
بالامل والمرح والحب كأن الحياة قررت أن تطفئ ضوءًا آخر من أضواء جيلنا
قبل ذلك بسنوات التقينا في منزلة اصدقاء الدراسة والشباب وولد من هذا اللقاء جروب اسميناه
الزمن الجميل لا يزال يعمل الاخوة علية لكني اعتقد لو ان ايمن بيننا لكان جروب بشكل اخر
بديناميكية عجيبة يفرضها حضورة ودماثة خلقة زرته في بيتة وبقينا نلتقي لعدة ايام ولولا ان انتهت
اجازتي لربما واضبط على اللقاء اليومي معه ذهبنا الى مزرعة استحدثها في سما الروسان وذهبنا
معا في لقاء مع المهندس ناجح الخطيب كان لقاء رائعا .
جلسنا طويلًا نتحدث عن العمر والأصدقاء وما فعلته الأيام بنا وتذكرنا الكثير من الذكريات لم يكن لقاءً
استثنائيًا في ظاهره، لكنه كلما ابتعد صار أكثر وضوحًا في ذاكرتي كأن الروح كانت تعرف ما يجهله العقل
بعد وفاته سألت عن ذلك الإحساس الغامض الذي يزورنا أحيانًا، فنشعر أن بعض الوجوه التي
أمامنا لن تتكرر وأن بعض اللقاءات تُكتب منذ البداية بصيغة الوداع
اليوم، كلما تذكرت أيمن، أشعر أنني من الذين خسروا الكثير برحيلة لا لأن الموت أخذ صديقًا واخا فق
بل لأنه أخذ شاهدًا كاملًا على طفولتي وشبابي، وعلى النسخ القديمة مني التي لم يعد يعرفها أحد سواه
رحم الله أيمن أبو رجيع
فبعض الأصدقاء لا يرحلون من الحياة بل يرحلون من أمام أعيننا فقط، ويتركون في القلب مقعدًا فارغًا لا يجلس عليه أحد
محمد توفيق صعابنة /جدة في 21/06/2026







