مقالات وآراء

حين يكبر الإنسان قبل عمر

فاطمه الحربي 

ليس كل من بلغ العاشرة طفلًا. بعضهم تجاوز عمره الزمني وسبقنا إلى جوهر الإنسان.

في ذلك المقهى، لم يكن الموقف عابرًا كما يبدو. كنت أبحث عن مقعد، وسؤال بسيط خرج دون توقع لدرس كامل في التربية والقيم. حين سألته إن كان المكان شاغرًا، لم يتردد، لم يساوم، لم ينظر لصديقه، وقف فورًا ليترك المكان. لم يكن تصرفًا تمثيليًا ولا حركة عفوية بلا وعي. كان قرارًا واضحًا صادرًا عن نفس تعرف ما تعنيه المبادئ.

رفضت، وأصر. وحين أصررت على الرفض، حلف أنه لن يجلس إن لم أجلس مكانه. هنا يتضح الفارق. هذا طفل لم يُربَّ على المجاملة، بل على الإيثار. على أن الكرامة فعل، لا كلمة. على أن احترام الكبير ليس خوفًا، بل قناعة.

في الجهة الأخرى، كان صديقه. في العمر ذاته، لكن في المسافة الإنسانية كان بعيدًا. الضيق بدا عليه، التململ، العتاب، وكأن ما حدث خسارة شخصية. لم يرَ الموقف قيمة، بل عبئًا. وهذا لا يُدان فيه الطفل بقدر ما تُكشف به الفجوة. الفجوة بين تربية تُغذّي المعنى، وأخرى تكتفي بالشكل.

هذا التباين الصغير يفتح بابًا واسعًا لفهم النفس البشرية. الأخلاق لا تُورث بالاسم ولا بالعمر، بل تُغرس بالفعل اليومي، بالكلمة، بالمواقف التي يراها الطفل في بيته قبل أن يسمعها في المدرسة. هناك من يتربى على السؤال: ماذا سأخسر؟ وهناك من يتربى على سؤال أعمق: ماذا سأكون؟

ذلك الطفل لم يتصرف بدافع استعراض ولا انتظار شكر. تصرف لأنه هكذا. لأن في داخله ميزانًا مبكر النضج، يعرف أين يقف حين يُختبر المعنى. وهذا ما يستحق الفخر. ليس لأنه تنازل عن مقعد، بل لأنه امتلك وعيًا أكبر من سنه، ونبلًا لا يُدرَّس في المناهج.

أما صديقه، فهو مرآة صادقة لواقع نراه كثيرًا. قلوب لم تُهذب بعد، ونفوس لم تُعلَّم أن العطاء لا يُنقص، وأن الوقوف لأجل الآخر لا يعني الجلوس في مرتبة أدنى.

في النهاية، الموقف لم يكن عن مقعد في مقهى، بل عن جذور. عن طفل ضُربت قيمه في عمق الأصل، فأنبتت رجلًا صغيرًا في حجمه، كبيرًا في فعله. وعن آخر ما زال في طور التعلّم، ينتظر أن تطرق التربية بابه من جديد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com