ثقافة و فن

ريم الفيصل.. من عمق الرمادي إلى إشراق الألوان

أشجان ـ عبدالخالق الغامدي

بعد أكثر من ثلاثين عاما قضتها في ممارسة التصوير الفوتوغرافي بالأبيض والأسود (درجات الرمادي)، فاجأت الفنانة ريم الفيصل متابعي تجربتها الفنية، وجمهور الفنون البصرية بأعمالها الجديدة التي تشع بالألوان، تحتضن الوطن، المملكة العربية السعودية.
ذلك الانتقال لم يكن مصادفة بحته، كما أنه لم يكن مخططا له مسبقا. بل كان استجابة لمشاعر داخلية عميقة ملحة. فعندما قررت الفنانة اعادة اكتشاف وطنها من خلال عدستها، وجدت أن الألوان بكل مسمياتها، ودرجاتها هي الأصدق في نقل مشاعرها الجياشة نحو ذلك الوطن العظيم.


الألوان هي الهدف هذه المرة، وهي المشروع، وهي الناقل لتجربة اكتشاف الوطن. الوطن الذي يزخر بالالوان، من حمرة رمال الدهناء، وصفرة رمال النفود، إلى خضرة جبال السروات، وزرقة السواحل والسماء. الالوان في وجوه الناس، وملابسهم، وبيوتهم. الالوان في ريش الصقر، ووبر الجمل، وفي بقايا الدهان على الجدران. اللون الأسود في عباءات السعوديات وهن يتنقلن بين تقاطيع الجدر القديمة في عسير، وتباين الوان حجارة الحصون في الباحة، والنقوش على أبواب بيوت الطين.
وطن مترامي الأطراف، متباين التضاريس، الألوان فيه مكونا جوهريا وأصيلا. وعدسة الفيصل أصدق من يرسم تلك الألوان بتباينها الفاتن، وترابطها البديع، معبرة بصدق عن عظمة وطنها، بإنسانه، وكائناته، وأرضه، وسماه.
تتحدث الألوان لهجات المملكة من وقار النجدية، إلى خفة الحجازية، مرورا بقوة الجنوبية، ورقة الشرقية، وعذوبة الشمالية. وتلبس الألوان التراث السعودي، بكل ألوان المصنف الجنوبي، والبشت الحساوي، والدراعة النجدية، بسواد البراقع، وبياض الثوب المذيل. تتراقص الألوان بتنوعها وجمالها وقوتها مع العرضة النجدية والجنوبية، والدحة الشمالية، وبرقتها وعذوبتها مع المسحباني والخطوة والسامري واللعب والموال، وبحيويتها وانطلاقها مع الخبيتي والمزمار والقزعوي والرزفة.
تمتزج الالوان مع تلبيات الحجاج في المسجد الحرام والمسجد النبوي، وأدعيتهم في منى وعرفة ومزدلفة، ومع أصوات الشعراء من امروء القيس، وجرير، وقيس ابن الملوح، إلى محمد بن لعبون، وبدر بن عبدالمحسن، ومحمد الثبيتي، لتشكل لوحة بديعة من ابتهالات المؤمنين، ومواويل العاشقين.
جردت الفيصل أعمالها من الألوان لتروي قصص العالم بما فيها من آمال وآلام، ووجدت في الألوان ضالتها لتحدث العالم عن وطنها بتنوعه وتباينه وتكامله، وبجماله وطموحاته.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com