غيّبك الموت… ولم تغب محبتك


بقلم . دكتور / عمرو خالد حافظ
بكل ألمٍ وحزن، أودّع أخي الحنون وابن عمي الغالي السيد محمد علي حافظ، ذلك الإنسان الذي لم يكن مجرد فردٍ في العائلة، بل كان مدرسةً في الأخلاق والصدق والرحمة، ورمزاً للمحبة وصلة الرحم، ووجهاً لا يُذكر إلا ويُذكر معه الخير.
تعلمت منه الكثير؛ تعلمت الصدق في القول والعمل، والأمانة، واحترام الناس صغيرهم وكبيرهم، وتعلمت منه الحِلم بكل معانيه الجميلة، والصبر الذي يزرع الطمأنينة في القلوب، والابتسامة التي تُطفئ التعب وتبعث الأمل في النفوس.
كان رحمه الله صاحب قلبٍ كبير، غمر أسرته بالعطف والحنان، واحتوى الجميع بمحبةٍ لا يستطيع أن يقدمها إلا إنسانٌ استثنائي مثله. لم يكن أباً وإخاً وعمّاً وجدّاً فحسب، بل كان مظلة أمانٍ للعائلة كلها، يجمع القلوب قبل أن يجمع الأجساد، ويزرع الألفة بين الجميع بكلمة طيبة ووجه بشوش ودعاء لا ينقطع.
وكان بيته العامر ملتقى العائلة بعد صلاة الجمعة، نجتمع فيه كباراً وصغاراً، إخوةً وأخوات، أبناءً وبنات، أحفاداً وأقارب، نأنس بالقرب منه، ونستمد من حضوره دفء العائلة ومعنى الترابط الحقيقي.
كان يحرص دائماً على أن تبقى المودة حاضرة بين الجميع، حتى أصبحت تلك الجمعة عادةً أسرية لا تكتمل إلا بوجوده وصوته وابتسامته.
وأذكر قبل دخوله المستشفى، وبعد صلاة الجمعة مباشرة، ذهبت إلى بيته، فعلمت أنه نُقل إلى المستشفى، فاتجهت فوراً لزيارته، وألزمت نفسي منذ ذلك اليوم ألا أنقطع عن المرور عليه والاطمئنان على صحته، والحمد لله لم أتأخر عنه إلا يوماً واحداً فقط.
وكان أكثر ما يبعث الطمأنينة في نفسي وأنا أراه محاطاً بمحبة أسرته العظيمة؛ إخوانه وأخواته، أبناؤه وبناته، وأحفاده الذين لم يفارقوا قلبه يوماً.
كانوا جميعاً يلتفون حوله بحبٍ نادر، يتناوبون على مرافقته في العناية المركزة، يسهرون على راحته، ويقرأون القرآن عنده، ويدعون له بقلوبٍ ممتلئة بالرجاء واليقين.
لم يكن وحيداً لحظة واحدة، بل كان محاطاً بدفء الأسرة التي أحبها وأحبته، وكأن الله أراد أن يريه ثمرة عمرٍ كاملٍ من المحبة والوفاء.
وفي إحدى الزيارات، رأيت شقيقه السيد سعود بجواره في العناية المركزة، فاضطرب قلبي، ولم يغمض لي جفن تلك الليلة وأنا أفكر فيه وفي حاله، وأدعو الله أن يمنّ عليه بالشفاء والعافية.
وقبل وفاته بيومين، ذهبت لزيارته والسلام عليه، لكن الأطباء منعوا الزيارة، وأخبرني ابنه تركي أن صحته في تحسن، وأنه سينتقل قريباً إلى غرفة عادية، فحمدت الله وشكرته، وخرجت وأنا مملوء بالأمل.
لكن في يوم وفاته، جاء الخبر الذي كسر قلوبنا جميعاً. ذهبت إلى المستشفى، فوجدت الأسرة كلها مجتمعة، إخوةً وأخوات، أبناءً وأحفاداً، يضمّد بعضهم حزن بعض، ويتعزون بالدعاء والرضا بقضاء الله، وقد جمعهم حبه حتى في لحظة الوداع الأخيرة.
وقد أكرمه الله بأن يُدفن في بقيع الفرقد في اليوم الأول من شهر ذي الحجة، في أيامٍ مباركة عظيمة الفضل، بالمدينة المنورة، وذلك فضلٌ نسأل الله أن يجعله علامة خيرٍ ورضوان، وأن يرفع درجته في عليين.
ثم جاء يوم الجمعة الأول بعد رحيله، وكنت أتساءل بحزن: إلى أين سنذهب بعد صلاة الجمعة؟ ومن سيجمعنا كما كان يفعل دائماً رحمه الله؟
وإذا بشقيقته ” مشكاة ” منبع الحنان والعطف ، تتصل بي وتقول: “اجتماع العائلة عندي كل جمعة ” .
حينها انفجرت عيناي بالدموع، وشعرت أن أثره الجميل ما زال حياً بيننا، وأن المحبة التي زرعها بيديه الطيبتين لم تمت ولن تموت بإذن الله.
اجتمعنا، وعادت الجمعة، وعاد معها دفء العائلة، وكأن روحه الطاهرة ما زالت تجمعنا وتوصينا بالمودة وصلة الرحم.
لقد رحل الجسد، لكن أثره باقٍ في كل قلب أحبه، وفي كل دعوة تُرفع له، وفي كل لقاء عائلي كان هو سببه وروحه. سيبقى اسمه محفوراً في ذاكرتنا، وستبقى سيرته الطيبة تُروى للأبناء والأحفاد جيلاً بعد جيل، لأنه عاش للناس بالمحبة، ورحل تاركاً خلفه إرثاً عظيماً من الأخلاق والرحمة والوفاء.
اللهم ارحم أخي الحنون وابن عمي الغالي السيد محمد علي حافظ رحمةً واسعة، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة، واغفر له، ونوّر مرقده، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه من خيرٍ ومحبةٍ وصلة رحم في ميزان حسناته.
اللهم اجزه عن أسرته وأحبابه خير الجزاء، واجمعنا به في جنات النعيم غير خزايا ولا محرومين، واربط على قلوب أهله وأبنائه وأحفاده بالصبر والسكينة والرضا.
وإنا وإن فارقتنا الأجساد، فإن الأرواح المؤمنة تبقى متصلة بالمحبة والدعاء والوفاء.
رحمك الله رحمة الأبرار، وأسكنك الفردوس الأعلى من الجنة، وجعل ذكراك ، طيبة نوراً لا ينطفئ في قلوبنا ما حيينا.





