كتاب تجارة الخيل في شرق شبه الجزيرة العربية ( 1288-1331ه/ 1871-1913م):
فاطمة عمر العلي -الأحساء .
الموروث العربي في العناية بالفرس الأنثى أثناء حملها وولادتها :
مما جاء في كتاب تجارة الخيل في شرق شبه الجزيرة العربية ( 1288-1331ه/ 1871-1913م) بعض الموضوعات الخاصة بتربية الخيل وكان منها العناية بالفرس في اثناء لقاحها وولادتها ومما لا شك فيه أن للفرس الأنثى عند العربي مكانة كبيرة فهي المنتجة والثمينة وهي أصل السلالات، والجهد الذي يقوم فيه صاحب الخيل للعناية بالفرس أثناء لقاحها؛ لهي ترجمة للقيمة التي يوليها العربي لها ولنتاجها فهي وسيلة النقل وسلاح الحرب وعز وفخر؛ وهو بذلك يضمن استمرار نسلها ونمو المربط وإن كان يرجو منها عائدًا ماديًّا فإنه أيضًا يتحقق بذلك.
بداية أرى من الضرورة بيان بعض المفردات الدارجة تحت موضوع الحمل والولادة، فيستخدم العرب لفظ (أفلت الفرس) أي ولدت، وباطح أو لاقح للفرس الأنثى ويقصد بها الحامل، ويقال (تشبية الفرس) أي تزاوجها، والشبوة حصان فحل يستعمل لأغراض التشبية ولا يقل عمره عن أربع سنوات.
ويضع العربي شروطًا صارمه ليكون نتاج الفرس الأنثى أصيلا لا يشوبه أي دماء غير أصيله فيفضل مثلا أن تشبى فرسه الأنثى بحصان أصيل بصفات متدنية على أن تشبى بحصان بصفات رائعة لكن بنَسب مشكوك به، ومن التقدير الذي يوليه العربي لفرسه الأنثى كان يشبيها في ليل أظلم حتى أصبح ذلك متداولا في الامثال الشعبية فيقال كحيلان يشبى في ليل أظلم.
وفي فترة لقاحها يهتم صاحب الخيل اهتمامًا بالغًا بفرسه الأنثى، ويحرص على توفير كافة الظروف المناسبة لينمو المهر نموًّا سليمًا، وتمرَّ فترة اللقاح والولادة للفرس الأنثى بلا مخاطر، فيحرص على أن تكون تشبيه الفرس الأنثى في فترة الربيع، لتتوافق ولادتها مع فصل الربيع القادم، حيث مدة لقاحها تقريباً سنة كاملة، وهو بذلك يضمن توافر المراعي بسهولة ويسر؛ فيكثر لبن الفرس الأم وتصبح قادرة على إشباع المهر وتوفير اللبن الكافي لنموه نموًّا سليمًا .ولو وافقت ولادتها في فترة يكون الجو بها حار يهيئ المكان للفرس الأم حيث يكون باردا أو معتدلًا حفاظا على صحة المولود، حيث تتراوح مدة لقاحها حوالي أحد عشر شهرًا وتزيد، ومن معتقدات العرب أيضا ان تجنب الفرس اللاقح من شم دخان السراج المطفي لأنه يؤدي على إسقاط جنينها.
وأثناء ولادتها يحرص على ألّا تلد الأم وحدها، فعندما يحين أوان وضعها تخضع لمراقبة مشددة وعناية فائقة حتى تصل إلى أنه يشركها خيمته، وحين الولادة يحرص كل الحرص ألّا تفوح من الفلو رائحة غير مرضية، وهي ما تعرف (بعلة الشمان): رائحة الدم من الجرح الحديث التي قد تسبب باعتقاده بالإصابة بعدوى مميتة، وكإجراء وقائي يُدلَك المهر بخليط من الحناء والزعفران والمسك في أجزاء من جسده تشمل الأنف والأذن والمفاصل والسرة، ويدلك أنف الأم أيضًا بالخليط ذاته.
ومن المأثور عند العرب انهم كانوا يتبادلون التهاني إذا نشأ في القبيلة شاعر وإذا ولد لها مولود ذكر يصول به عن العدو، أو جاءت له الفرس الأم بمهر فيبارك له في الكر والفر. قال ابن رشيق: وكانوا لا يهنئون إلا بغلام يولد، أو شاعر ينبغ، أو فرس تنتج”، وقيل لأحد الحكماء: أي الأموال أثرى؟ قال: فرس يتبعها فرس في بطنها فرس.
ولتدعيم مواصفات الخيل الأصيلة يقول بوركهارت في كتابه (من حديث بوركهارت عن الخيل والأبل ): تربط إحدى أذنَي المهر بالأخرى بعد ولادته مباشرة؛ اعتقادًا أن ذلك سبب في أن يكون اتجاههما جيدًا، ويضغط ذيله إلى أعلى ليكون مرتفعًا، ويلف بقطعة قماش تُزال عنه في اليوم التالي، كما أن صاحب المهر يعتني بغذائه جيدًا، فمن قبل ولادته يحرص البدو على توفير حليب النوق؛ لأنه من بعد ولادة الفرس الأنثى حتى انتهاء الشهر الأول يكون اعتماد المهر على حليب أمه، ثم بعد ذلك يعتمد على حليب النوق لمدة مئة يوم، ولا يُطعَم خلالها بغير ذلك من أي صنف من صنوف الطعام والشراب حتى الماء، والمئة يوم التالية يدخل في طعامه الأعشاب تدريجيًّا، حتى يبدأ بالرعي قرب الخيمة والغذاء على الأعشاب والشعير والتمر المحلول بالماء، ويضاف إلى العلف أيضًا حليب الإبل، ويعتقد البدو أنه يقوي المهر ويساعد على زيادة قابلية الخيل على التحمل.
وقبيل فطام الفلو يؤخذ من حليب الفرس الأم ويمزج مع الدقيق ويجفف ويستخدم عند الحاجة إليه إذا لحق بالفلو أي بأس، أو لتزويده بغذاء إضافي، وتقدم إليه بإذابتها في الماء الفاتر، وتجرى عملية للأفراس الإناث التي لا تنجب على النحو الآتي: تُقرَص بالنمل الأماكن المقطوعة أو الساقطة أو المثقوبة من رحم الفرس، فإذا أمسكت النمل قطعوا رأسها عن جسدها.
أن ما يقدمه العربي لفرسه اللاقح من عناية متوارثه تعكس الثقافة العربية في الاهتمام بالخيل وسواء أصاب في جهده أو لم يصب أو أثبتت هذه العناية فاعليتها أو لم تثبتها، فمن الضروري أن ألفت النظر إلى أن تلك الإجراءات المتبعة ماهي الا ترجمة للشغف وبالغ الاهتمام الذي يوليه العربي للفرس الأم ونتاجها لينمو المهر نموا سليما ويحافظ على استمرار سلالتها والحفاظ عليها ولتدعيم مواصفات الخيل الأصيل في السلالة.
المراجع:
أ.غ. شيرباتوف-س.أ. ستروغانوف: الخيل العربية الأصيلة، مراجعة وتحرير: عوض عطا البادي، الرياض، مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، 1419هـ/1999م.
أبو يوسف يعقوب بن أخي حزام: كتاب الفروسية وشيات الخيل، (مخطوطة)، المكتبة البريطانية مخطوطات شرقية، ومكتبة قطر الرقمية.
أحمد بن صقر بن سلمان آل خليفة: القرول في الليل وسمير الليل، الناشر المؤلف، 2016.
ألسكندر أداموف: ولاية البصرة في ماضيها وحاضرها، ترجمة: هشام صالح التكريتي، ج1، بغداد- العراق، دار ميسون للنشر، د.ط، (د.ت).
بوركهارت: من حديث بوركهارت عن الخيل والإبل، ترجمة وتقديم: عبدالله صالح العثيمين، الرياض، مكتبة التوبة، ط1، 1411هـ/1990م.
حسن حسني: مذكرات ضابط عثماني في نجد- الأوضاع العامة في نجد، ترجمة وتحقيق: سهيل صابان، كتب، د.ط، 2003م.
ستانتون هوب: رحلات المغامر العربي الحاج عبدالله ويلمسون المسلماني، ترجمة: إنعام إيبش، أبوظبي، هيئة أبوظبي للتراث والثقافة، دار الكتب الوطنية، ط1، 1432هـ/2011م.
عبدالرحمن بن زيد السويداء: نجد في الأمس القريب صور وملامح من أطر الحياة السائدة قبل ثلاثين عامًا، الرياض، دار العلوم للطباعة والنشر، ط1، 1403هـ، 1983م.
مجلة معهد المخطوطات العربية المجلد 26، الناشر المعهد، 1982م.







