“نحن والتراث”.. قراءة جديدة في تراثنا الفلسفي”


إعداد/خالد على راجح بركات


كتاب “نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي” للمفكر المغربي محمد عابد الجابري هو عملٌ بارز يعكس علاقة الفكر العربي بالتراث الفلسفي الإسلامي.
صدر الكتاب عام 1980 ويُعتبر المدخل الرئيسي لمشروع الجابري الفكري المعروف بإعادة نقد العقل العربي. يسعى الكتاب إلى تقديم قراءة نقدية معاصرة للتراث، بعيدًا عن التبجيل غير الناقد أو الإسقاطات الأيديولوجية، مما يتيح تحويل التراث من كونه “مرجعية ثابته إلى “موضوع للبحث” يمكن الاستفادة منه في السياق الحاضر.
بدأ الجابري بتشخيص أزمة التعامل المعاصر مع التراث، وحدد ثلاثة اتجاهات رئيسية: الاتجاه الذي يعتبر التراث مرجعية مستقلة، والاتجاه الليبرالي الذي يحاول فهم التراث من منظور خارجي معتمدًا على نماذج غربية، والاتجاه اليساري الذي يسقط الصراعات الحديثة على النصوص التاريخية. جميع هذه الاتجاهات تُعتبر إسقاطية لأنها تدعو إلى استدعاء الماضي لتبرير مواقف حالية.
يتبنى الجابري منهجًا بديلًا يقوم على فصل النص عن سياقه التاريخي لدراسته بموضوعية، ثم وصله بحاضرنا للاستفادة من الأفكار المتاحة. كما يميز بين ثلاثة أنماط معرفية في التراث: العقل البياني الذي يركز على النقل واللغة، والعقل البرهاني الذي يعتمد على البرهان الأرسطي، والعقل العرفاني المستند إلى التجربة الذوقية والإشراق. يدعو الجابري إلى استئناف العقل البرهاني كسبيل للنهضة الفكرية.
يمر كتاب “نحن والتراث” أيضًا بتحليلات لرواد الفلسفة العربية. فبالنسبة للفارابي، يتناول الجابري فلسفته السياسية والدينية في سياق أزمة الشرعية، مشيرًا إلى التوازن بين الحكمة والشريعة. أما ابن سينا، فيبرز التحول الفلسفي نحو المزج بين البرهان والعرفان، مما يؤدي إلى انزياح ميتافيزيقي. وعند تناول الفلسفة المغربية والأندلسية، يقارن الجابري بين المسارين المشرقي والمغربي، مشيرًا إلى ضرورة الانسجام العقلاني في ظروف مضطربة عبر ابن باجة.
يعتبر ابن رشد ذروة في مشروع الجابري الفكري، حيث يُرى كمؤسس لاستقلال الفلسفة في العالم العربي، مُدافعًا عن البرهان الأرسطي في كتابه “تهافت التهافت”، ومفصلًا بين مجالات الخطاب الفلسفي والديني. كما يتناول ابن خلدون في “المقدمة” مُميزًا بين التجربة والعناصر الثقافية الموروثة، كاشفًا عن إمكانات منهجية حديثة.
يمثل الكتاب نقلة نوعية للفكر العربي، حيث يُحرر التراث من الاحتكار التقليدي ويعزز من كونه عنصرًا فاعلًا في الحضارة. يشدد الجابري على أهمية “نحن” كذات معاصرة تواجه تحديات الحداثة دون قطيعة مع الجذور. ورغم تعرضه لنقد بسبب “الانحياز” للعقلانية الرشدية واتباع مناهج حديثة، إلا أن تأثيره في الفكر العربي مستمر.
في الختام، يعبر الجابري عن ضرورة إعادة بناء الذات العربية عبر الوعي التاريخي النقدي، مشيرًا إلى وجود هوة تفصل بين الحاضر والماضي المزدهر. تدعو القضية إلى البحث عن طرق لجسر هذه الهوة وجعل التراث حيويًا ومفيدًا للمستقبل.







