مقالات وآراء

هل أوصلتِ رضاكِ بالمصدر الصحيح؟

الكاتبة: إيمان عبدالله الصانع

لو تخيلنا الرضا طاقةً تسري في القلب، وتخيلنا الإنسان جهازًا يحتاج إلى الاتصال بالمصدر الصحيح حتى تستمر طاقته، فإلى أي مصدر توصل الأم رضاها؟

للأم منافذ كثيرة تبحث من خلالها عن الرضا: رضا والديها، ورضا زوجها، ورضا أبنائها، ورضاها عن نفسها، وقبول المجتمع لها. وكل منفذ من هذه المنافذ يمنحها شعورًا مختلفًا، لكنه قد يتحول إلى مصدرٍ متقلب إذا علّقت عليه قيمتها كلها.

مقالات ذات صلة

قد تستيقظ الأم راضية عن نفسها، ثم تسمع كلمة لوم من أحد والديها فتشعر أنها مقصرة. وقد تبذل الكثير في بيتها، لكن فتور زوجها يجعلها تشك في قيمة ما قدمته. وقد تحسن تربية أبنائها، ثم تهزها كلمة غضب قالها أحدهم في لحظة انفعال. وربما تكون مطمئنة إلى اختياراتها، حتى ترى حياة أم أخرى في مواقع التواصل فتبدأ في مقارنة نفسها بها.

هنا لا تكون المشكلة في رغبة الأم في رضا من تحب، فمحبة الوالدين والزوج والأبناء والحرص على حسن العلاقة بهم معانٍ جميلة، وإنما تبدأ المشكلة حين تجعل رضا الناس المصدر الوحيد الذي تستمد منه رضاها عن ذاتها.

فالناس تتغير مشاعرهم، وتتبدل احتياجاتهم، وقد يرضون اليوم ويسخطون غدًا. فإذا أوصلت الأم قلبها بمصدر متقلب، أصبحت طاقتها النفسية ترتفع وتنخفض تبعًا لكل كلمة ونظرة وموقف.

رضا الوالدين يُطلب بالبر والإحسان في المعروف، ورضا الزوج يُبنى بالمودة والاحترام المتبادل دون أن تلغي المرأة نفسها، ورضا الأبناء لا يعني تلبية كل رغباتهم؛ فقد يغضب الطفل اليوم من قرار تربوي يحميه غدًا. أما رضا النفس فلا يعني تبرير الأخطاء، بل أن تنظر الأم إلى نفسها بعدل: ترى ما أحسنت فيه، وتعترف بما يحتاج إلى إصلاح، ثم تبدأ من جديد.

ويبقى رضا المجتمع أكثر المنافذ تقلبًا؛ فمهما فعلت الأم ستجد من يراها شديدة، ومن يراها متساهلة، ومن يلومها على عملها، ومن ينتقد بقاءها في بيتها. لذلك لا يستطيع المجتمع أن يمنحها شهادة ثابتة بأنها أم ناجحة.

أما المصدر الذي يعيد ترتيب هذه المنافذ كلها فهو رضا الله. قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. فعندما تعرف الأم ما يرضي الله، وتسعى إليه بصدق، يصبح رضا الناس لديها موضع تقدير، لكنه لا يعود الحكم النهائي على قيمتها.

ولا يعني ذلك أن المؤمن لا يتألم من اللوم أو الجفاء، وإنما يعني أن قلبه يعرف إلى أين يعود حين تضطرب من حوله الآراء. قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.

يا سكينة البيت، ويا روح المحبة والوصال، اصعدي جبال الحياة وأنتِ تتنفسين الطمأنينة التي يمنحها السعي إلى رضا الله. لا تنتظري من جميع من حولك أن يصفقوا لك في كل خطوة، ولا تجعلي غضب أحدهم في موقف عابر حكمًا نهائيًا على أمومتك.

وحين يسألكِ «مقياس الأم السعيدة»: هل تشعرين بالرضا عن دورك كأم في هذه المرحلة؟ فلا تجعلي إجابتك مرهونة بآخر كلمة مدح أو لوم سمعتِها. اسألي نفسك: هل أبذل ما أستطيع؟ هل أتعلم من أخطائي؟ هل أسير في دوري وفق القيم التي أؤمن بها؟ وهل أترك لنفسي مساحة للنمو دون جلد أو ادعاء للكمال؟

حين يكون رضا الله هو المصدر، تصبح بقية العلاقات منافذ للمحبة والتواصل، لا أسلاكًا تتحكم في قيمتك وطمأنينتك.

واصلي الصعود بقلب موصول بالله، وبعين ترى النعم في الطريق، حتى تقولي في لحظة امتنان صادقة:

يا رب، لقد أغرقتني بالنعم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com