مقالات وآراء

أَسْرَى التَّمَنِّي

بشرى محمد الحويطات

لا تُولد الأمنيات من العدم، بل تنبثق حين يُطبق الواقع خناقه على الروح؛ فيغدو التمني عند الشاعر ليس مجرد سحاب يُحلّق في المدى، بل لغة شجاعة لردع العجز، ومحاولة نبيلة لاختراق الجدران المغلقة.

كلمةُ “لَيْتَ” ليست سوى جسرٍ يعبر به المرء من ضيق مقدوره إلى سعة ما يطمح إليه، متجاوزاً قيود زمانه ومكانه، ويتجلى التمني في النص الشعري بأبعاد وجدانية متعددة؛ فتارةً يرتفع إلى أسمى مراتب الوصل والعشق العذري، حيث يتجرد الشاعر من الخلق جميعاً، مضحياً بكل ما في الكون مقابل حظوة واحدة وودٍّ لا يزول، فإذا صحّ الودّ ممن يحبّ كفاه ذلك عن العالم ، وهذا ما ترنم به الشاعر في مناجاته الوجدانية الشهيرة، قائلاً:  

فَلَيْتَكَ تَحْلُو وَالحَيَاةُ مَرِيرَةٌ … وَلَيْتَكَ تَرْضَى وَالْأَنَامُ غِضَابُ

وَلَيْتَ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنِكَ عَامِرٌ … وَبَيْنِي وَبَيْنَ الْعَالَمِينَ خَرَابُ

إِذَا صَحَّ مِنْكَ الوُدُّ فَالْكُلَّ هَيِّنٌ … وَكُلُّ الَّذِي فَوْقَ التَّرَابِ تُرَابُ  

غير أن هذا التعلق المطلق بأهداب الوصل، وعلى سموّه وصفائه، لا يبقى على حاله حين تنقلب الموازين؛ فبينما كان التمني في الأبيات السابقة جناحاً يطير بالصوت نحو واحة الحبيب، فإنه يتحول حين تُطبق مرارة الفقد على الصدر إلى نادمٍ يتجرع غصص الأسى، متمنياً لو أن الزمان توقف أو انقضى الأجل قبل أن يجرعه الفراق مرارته، باحثاً في طيات الذاكرة عن أثر الغائب وكيف تركته الأيام وحيداً بلا ميعاد، وكأن الشاعر في هذه اللحظة يعاقب نفسه بالتمني على ما فات ولا يمكن أن يعود، كما يصور ذلك الشاعر أحمد الخوالدة ببثّ لوعته الحارقة قائلًا:  

أَيَا عَاصِرَ الخَمْرِ العَتِيقِ وَسَاقِهَا … قُمِ اسْقِ الَّذِي يُشْقَى بِنَبْوَةِ سَاقِهَا

فَيَا لَيْتَنِي قَدْ مُتُّ قَبْلَ فِرَاقِهَا … وَيَا لَيْتَ سَاقِي قَدْ مَضَتْ بِلَحَاقِهَا

أَأَتْرُكُهَا تَمْضِي وَقَدْ حَوَتْ بِنِطَاقِهَا … مِنَ النَّارِ خَصْراً شَدَّنِي لِعِنَاقِهَا؟  

وإذا كان التمني قد لبس ثوب التباكي الحارق والوجع التراجيدي في فضاءات الشوق المديني، فإنه ينسلخ عن رقة الدموع ليرتدي درعاً من السخرية المرة وحرقة الصحراء ولظاها؛ فحين ينكأ الرحيل جراح البادية، لا يجد الشاعر البدوي من متنفس لغيظه وشوقه إلا التمني الممزوج بمرارة الواقع، محولاً لوعة الفقد إلى صيغة تفكير قاسية تعكس عجز العاشق وحيلته أمام البُعد، وهذا ما ترجمه الشاعر راشد بن قطيما هذه اللحظة الشعورية المتفردة بلغته البدوية العذبة قائلًا:  

ذَبّاح ما تَدْمِي وَجُرْحَكْ لَحَالُهْ … يا مْوَرِّد الهَايِمْ علَى المَوْتِ بْسْكَاتْ

يا شُوقْ ما سَوَّيْت فِيْنِي جَمَاله … ذَبَحْتِ صَبْرِي وِاسْتَبَحْتِ الملذّات

لَيْتِ الولايف مِثْلِ وَضْعِ العمَالة … من غَابْ بَلَّغْنا عَلَيْهِ الجوازات  

غير أن التمني بكل تنويعاته الفصيحة والشعبية التي عبرت عنها تلك الأبيات وتدرجت بين رقة الوصل ولوعة الفقد وسخرية البادية، يظل في نهايات المطاف غصةً تدمي الفؤاد متى ما واجه الشاعر الحقيقة القاسية، ألا وهي استحالة الوصول؛ فلا تعجب إذا رأيت الحالم المتمني باكياً؛ إذ لا شيء أشد قسوة على النفس من اليقين بالعجز وقلة الحيلة، تبقى تلك اليد المعلقة إما ممتدة بالرجاء أملاً في محال، وإما مصفقةً على خسارة جديدة، تلوح من بعيد لأشخاص وأحلام رحلت، ولا سبيل لها كي تعود.  

إن أشد ما في التمني من مرارة ليس في كونه عاجزاً عن تغيير المقادير، بل في أنه يُبقي الجرح حيّاً، ويصنع من الأوهام جحيماً يُطيل أمد العذاب، إننا بالتمني لا نُعيد الغائبين، بل نصلب أرواحنا على أعتاب غيابهم؛ فنظل نقتات على سراب ندرك تماماً أنه لن يروي عطش الفقد، حتى نكتشف في النهاية أن “ليت” لم تكن سوى المقصلة التي نذبح بها حاضرنا لنُعاف الحياة على أمل رحل أصحابه ولن يعودوا أبداً.  

غير أن الروح الحية لا تلبث أن تستفيق من أسر التمني حين تدرك أن بعض الأمنيات لم تُخلق لها، وأن حرمانها ليس إلا رحمةً مستورة، وهنا يتحول العجز إلى يقين، والكسر إلى تسليم؛ فما صُرف عنك لم يكن ليكون لك، وما قُدّر لك سيأتيك ولو بعد حين.

 فإذا ما أغلقت “ليت” أبوابها، فتح حسن الظن بالله آفاقاً من الرضا والسكون، ليتجلى العوض الإلهي معجزةً تُرمم ما تهدّم، وتُنسي القلب مرارة ما فقد، وتمنحه ما هو خيرٌ له وأبقى.  

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com