أيام معدودات

الانتحار لم يكن الخيار

بأنامل / فايزة الثبيتي

قصة وتين الهذلي ليست مجرد قصة مؤلمة عن شابة صغيرة؛ إنها صرخة في وجه المجتمع الذي يغفل عن معاناة أبنائه. وتين، زهرة لم تكتمل بعد، تحملت أعباء أكبر من سنها، وجدت نفسها وحيدة في مواجهة ظروف عائلية صعبة، دون أن تجد من يمد لها يد الحنان أو يفهم صمتها.

في لحظة عجز ويأس، لم تستطع وتين أن تتحمل الألم أكثر، فقررت أن تنهي حياتها بطريقة صادمة، قفزت من الطابق الثالث في مدرستها، وسط ذهول الجميع، كأنها أرادت أن تُسمعهم أخيرًا صرختها التي خنقتها طويلًا.

الانتحار لم يكن خيارًا، بل كان نتيجة لغياب الاحتواء، لعدم سماع معاناتها، لظروفٍ تآمرت عليها لتقتل فيها كل رغبة في الحياة.

وتين لم تكن مجرد طالبة أخرى، كانت روحًا تبحث عن الأمان، عن الحب، عن الحنان الذي لم تجده في مكانه الطبيعي – بين أهلها. تلك الفتاة التي أغلقت كل أبواب النجاة أمامها، كانت تبحث عن من يسمعها، عن من يحتويها، عن من يفهم أن الصمت أحيانًا يكون أعمق من الكلمات.

يا وتين، لو علمتِ كم من القلوب تحطمت برحيلك، لو علمتِ كم من الدموع انسكبت حسرة على رحيلك المفاجئ، لما اخترتِ الرحيل. رحيلك رسالة لكل أسرة، لكل صديق، لكل إنسان: انتبهوا لمن حولكم، فالروح التي قد تبدو قوية قد تكون في الداخل مجروحة وعاجزة عن البوح.

قصتكِ يا وتين، تفتح أعيننا على واقع مرير يعيشه الكثيرون بصمتٍ مطبق. لا أحد يستطيع أن يتخيل حجم الألم الذي كانت تحملينه وحدكِ، وكيف كانت حياتكِ اليومية تتحول إلى معركة مع نفسكِ ومع ظروفكِ. كنتِ بحاجة إلى كلمة دعم، إلى حضن دافئ، إلى قلب يفهم أن الألم ليس دائمًا ظاهرًا، وأنه أحيانًا يختبئ خلف ابتسامة خجولة أو صمت ثقيل.

الأسر، هي الملاذ الآمن لكل فرد، لكن عندما تصبح الأسرة مصدر الألم أو اللامبالاة، فإن الفتاة تفقد ملجأها الوحيد. وتين كانت تحتاج إلى من يقول لها: “نحن هنا من أجلك”، لكنها لم تجد من يسمع ندائها الصامت. وفي تلك اللحظة التي اختارت فيها القفز، كانت ربما تطلب الخلاص من عالم لم يعطها ما تستحقه من حبٍ واحتواء.

رسالتكِ الآن تتجاوز الألم، إنها دعوة للتأمل وللتغيير. دعوة لكل أمٍ وأبٍ، لكل أختٍ وأخٍ، أن يحتضنوا أبناءهم قبل أن تجرهم الحياة إلى نهايات لا رجعة منها. أن يسمعوا لصمتهم، وأن يشعروا بآلامهم، وأن يدركوا أن القوة الحقيقية لا تكون بالصمود في وجه الألم، بل في القدرة على مشاركة هذا الألم مع الآخرين.

رحلتِ يا وتين بجسدكِ، لكن صدى صرختكِ سيبقى طويلًا، يعلمنا أن الإهمال العاطفي قد يكون أخطر من أي شيء آخر، وأنه يجب علينا أن نكون عونًا لأحبائنا قبل أن يفوت الأوان.

رحمك الله يا وتين وأسكنك فسيح جناته، وغفر لكِ ما عجزتِ عن تحمله.

 

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com