الفكر: عندما يحاصر الإنسان عقله في زاوية التسفيه


فاطمه الحربي
كاتبة رأي واعلامية
تبلّد الفكر ليس مجرد توقف عن التفكير، بل هو استسلام ناعم للركود العقلي. إنه ذلك الشعور الخادع بالراحة عندما يتوقف الإنسان عن التساؤل، ويتحول من كائن فضولي إلى آلة تكرار. تصبح الأفكار عنده مستنسخة، لا جِدّة فيها، ولا اشتباك مع الواقع. ينعزل في زاوية ضيقة من الوعي، حيث يُصفَّق للسطحية ويُسفَّه العميق.
في هذه الزاوية يكثر الضجيج، لكنه ضجيج بلا معنى. وهنا يظهر نوع خاص من البشر: سفهاء العقول. أولئك الذين يعتقدون أن رأيهم قانون سماوي، وأن صراخهم حجّة. يتحدثون كثيراً ولا يقولون شيئاً. يهاجمون الفكرة لا لفهمها أو نقدها، بل لأن وجودها يُشعرهم بضحالة قناعاتهم. إنهم لا يكرهون العقل لأنه أخطأ، بل يكرهونه لأنه يُفكّر.
سفهاء العقول هم أول من يسخر من كتاب، وأول من يستخف بنقاش، وأول من يحتفل بجهله وكأنه وسام. تراهم في المجالس، على الشاشات، وفي التعليقات المليئة بالشتائم المنمقة. يوزّعون الأحكام كأنهم أوصياء على الحقيقة، بينما هم في الحقيقة يختبئون خلف جدار سميك من البلادة الفكرية.
الإنسان حين ينحصر في هذه الزاوية، يصبح عقله رهينة للمألوف والمريح. يكره التغيير لأنه يتطلب جهداً فكرياً، ويخشى المختلف لأنه يهزّ قوالبه الجاهزة. فيسخر من التأمل، ويستهزئ بالتفكير النقدي، ويتعامل مع المفكر كما يتعامل طفل غاضب مع مرآة تُظهر له ما لا يريد رؤيته.
الأسوأ من تبلد الفكر هو أن صاحبه لا يدرك أنه متبلد. يظن نفسه حكيماً لأنه يردد الشعارات، ويحسب أنه عميق لأنه يحفظ أقوال المشاهير، بينما هو في الحقيقة يمشي داخل متاهة ضيقة، اختارها بنفسه وسمّاها “المنطق”.
التحرر من هذه الزاوية يبدأ بالاعتراف. بأننا لسنا دائماً على حق. بأن الفكر يحتاج إلى تمرين، مثل العضلات. وأن تسفيه العقل هو أول علامات الكسوف الحضاري.
ولأنك محاطٌ بسفهاء العقول، فليس عليك أن تتشبه بهم. فحتى في العتمة، يظل العقل شعلة، إن لم تُطفئها بنفسك





