بذرة وعي في عقلٍ بريء

بقلم / سمحه العرياني
العقل البريء يشبه صفحة بيضاء، لا تخلو من الجمال، بل تمتلئ بالاحتمالات. هو عالمٌ صغير ينتظر من يهمس له بالمعنى قبل أن تصله ضوضاء الحياة. وفي تلك اللحظة الأولى، حين تلامس الفكرة قلب الطفل قبل عقله، تُزرع بذرة الوعي؛ بذرة قد تبدو خفية، لكنها تحمل في داخلها مستقبل إنسان، وربما ملامح وطن بأكمله.
لا يولد الوعي دفعةً واحدة، بل ينمو بهدوء، كما تنمو الجذور تحت الأرض قبل أن ترى النور. والعقل البريء لا يحتاج إلى كثرة الأوامر بقدر حاجته إلى الفهم، ولا إلى التلقين بقدر حاجته إلى الحوار. حين نعلّم طفلًا أن يسأل، أن يتأمل، وأن يشعر بالآخرين، فإننا نمنحه أدوات الحياة لا مجرد معلوماتها.
قد تكون بذرة الوعي كلمة صادقة في موقف عابر، أو قصة تحمل قيمة، أو قدوة تجسّد ما نقوله بأفعالنا. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تشكّل لاحقًا ضمير الإنسان، وتحدد موقفه من ذاته ومن العالم. فالعقل الذي ينشأ على الوعي يصبح أكثر قدرة على التمييز، وأقل قابلية للانقياد، وأكثر ميلًا للعدل والرحمة.
أما إهمال العقل البريء، أو التعامل معه باستخفاف، فيتركه عرضة لأفكار مشوشة قد تنمو بلا جذور صحيحة. فالفراغ لا يدوم، وإن لم نملأه وعيًا، امتلأ بما لا يُحمد أثره.
إن زرع بذرة الوعي في عقلٍ بريء هو فعل إيمان بالمستقبل. هو اختيار أن نكون شركاء في بناء إنسانٍ متوازن، يعرف من يكون، وإلى أين يتجه. وحين نُحسن الزرع، ونرعاه بالصبر والمحبة، سنجني ثمارًا لا تقتصر على فرد واحد، بل تمتد لتصنع مجتمعًا أكثر وعيًا، وأكثر إنسانية.