ثقافة و فن

حين يفوق القاضي من محكمته الوهمية… وصوت المطر يشهد للعدل

مساهمة أدبية / ولي علي حدادي

 

ليس كل من جلس على منصة الحكم كان عادلاً،

وليس كل من امتلك حروفًا مرتبة… امتلك الحقيقة.

في زوايا الحياة، تُقام محاكم لا جدران لها،

ولا قوانين تُنصف،

بل تُدار بأحكامٍ مسبقة،

وبتصوراتٍ لم تُختبر،

وبنفوسٍ لم تتعلم معنى العدل.

هناك…

يُدان الإنسان قبل أن يُسمع،

ويُفهم على غير مقصده،

ويُحاكم لا بما فعل… بل بما ظنه الآخرون.

ويظن القاضي الوهمي في تلك اللحظة،

أنه أحكم المشهد،

وأنه سيطر على الرواية،

وأنه أجاد ترتيب الحروف حتى بدت كأنها الحقيقة.

لكن الحقيقة…

لا تُصنع.

هي لا تحتاج إلى ترتيب،

ولا إلى تزيين،

ولا إلى أصواتٍ مرتفعة لتثبت وجودها،

هي فقط… تظهر.

وحين يفوق القاضي الوهمي من محكمته الوهمية،

سيكتشف أن العدالة ليست سلطة،

بل أمانة.

وأن الحكم ليس كلمات تُلقى،

بل أثر يُكتب في ميزانٍ لا يخطئ.

سيعلم حينها،

أن الحرف الذي كُتب بغير حق…

لم يكن انتصارًا،

بل كان شاهدًا مؤجلاً.

وأن من لم تكن قضيته حاضرة في ضميره،

سيكون بارعًا في صياغة العبارات،

لكنه عاجزٌ عن حمل الحقيقة.

فالبلاغة قد تُقنع،

لكنها لا تُبرئ.

والصوت قد يعلو،

لكنه لا يُثبت.

والصمت أحيانًا…

أعدل من ألف حكمٍ جائر.

وستعلم تلك الفكرة التي رتّبت المشهد،

أن الحق إذا ظهر… لا يُخفى،

وأن ما بُني على الظن… يسقط أمام اليقين.

فالمواجهة مع الحقيقة،

ليست خيارًا… بل حتمية.

وسيعلم الجميع،

ليس بما يُقال فقط…

بل بما يُكشف.

وسيسمع الجميع،

لا صدى الكلمات…

بل صوت الحق حين يُنطق بلا خوف.

وهنا…

حين تهدأ الضوضاء،

وتسقط الأقنعة،

وتتلاشى الروايات المصنوعة،

يأتي صوتٌ مختلف.

صوت لا يحمل جدالًا،

ولا يدخل في خصومة،

ولا يبحث عن إثبات.

صوت المطر.

ليس مجرد ماءٍ يهطل،

ولا همس غيمٍ عابر،

بل هو يقينٌ يتكرر…

أن الأمر بيد الله،

وأن العدل يسير في مواعيده،

ولو تأخر.

كل قطرةٍ تسقط،

كأنها تقول:

إن ما كُتب… واقع،

وأن الحق لا يُترك،

وأن الميزان لا يختل… وإن طال الانتظار.

صوت المطر ليس له معنى لمن يسمعه بأذنه فقط،

لكنه واضحٌ لمن أنصت بقلبه.

هو صوت العدل.

حين ينزل بلا استئذان،

ويصل بلا وساطة،

ويحيي ما ظن الناس أنه انتهى.

وإن كان العدل في السماء يقينًا لا يتبدل،

فإن في الأرض… من يسير على أثره.

وإن هنالك عادلٌ في الدنيا أيضًا،

لا تحكمه الأهواء،

ولا تغريه الأصوات،

ولا يبيع ميزانه لأجل مشهدٍ عابر.

عادلٌ…

يستمع قبل أن يحكم،

ويتحقق قبل أن يُدين،

ويعلم أن كلمةً واحدة

قد تُنصف إنسانًا… أو تظلمه.

ذلك العادل،

هو امتدادٌ للحق،

وشاهدٌ على أن العدل

ليس غائبًا… بل حاضر،

ما دام في الأرض

من يخاف الله في حكمه،

ويرى أن كل قرارٍ

أمانة،

وكل إنصافٍ

عبادة.

فإذا سمعت المطر،

فلا تنشغل بصوته…

بل تذكّر،

أن هناك عدلاً لا يُرى،

لكنه قائم،

وأن الحقيقة…

لا تضيع،

وأن كل مشهدٍ كُتب بغير حق،

سيُعاد ترتيبه،

لكن هذه المرة…

بيد العدل

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com