عندما يكونُ الجفاءُ قدرًا لا ذنبًا


بشرى محمد الحويطات
في ثقافة البادية، لا تُترك المشاعر دون تفسير، ولا تُعلّق الحيرة في القلب طويلًا؛ فإذا نظرتَ في وجه من أحببت فلم تجد إلا الجفاء، أو اقتربت من إنسانٍ بكل طيب نية فقابلك بصدٍّ بارد، قال لك البدوي بهدوء العارفين: “من ما راد أبوك، ما رادك”.
تُقال هذه العبارة كبلسم، لا كلوم، تُقال لتضعك في حضن التسليم وتُعفيك من جلد الذات؛ إذ ليس كل جفاء ناتجًا عن إساءة، بل قد تعود بعض المشاعر والتصرفات إلى أسباب نفسية وسوء فهمٍ بين الطرفين، يُخيّل للإنسان معها أن الأمر قَدَرٌ محض لا يد له فيه.
وفي هذا القول حكمة تحفظ للإنسان كرامته حين يخذله الشعور، وتمنحه راحة حين لا يجد تفسيرًا، فلا تسأل كثيرًا: “لماذا يكرهني؟” ولا تُنهك قلبك بحثًا عن خطأ لم ترتكبه. تقولها الجدّات حين ترى فتاة تطرق باب المودة فلا يُفتح لها، أو شابًا يتقرب ممن لا يُبالي، أو أمًا تحزن أن ولدها مرفوض بلا سبب ظاهر.
فالقلوب موانئ شتى، تخفق فيها أرواحنا كالنوارس الراحلة، تفتش عن شواطئ المودة علّها تستريح، لكنها حين تصطدم بصخر الجفاء المتنكر في زِيّ الصمت، تدرك أن بعض الأواصر ليست سوى غيمٍ عابر في سماءٍ لا تمطر، وأن العاطفة التي تميل أجنحتها نحو الجفاف، لا يرممها السؤال ولا يحييها العتاب، بل يرممها كبرياء الروح وهو ينفض غبار الخيبة، ويمضي هادئًا نحو أفقٍ أجمل يلمع بضوء التسليم.
يرسو خلف هذا المعنى مغزى كبير؛ وهو أن القلوب لا تُجبر على ما لم تُخلق له، فهذا المثل لا يُغذّي اليأس، بل يُعلّمك ألا تُقايض نفسك بثمن لا يُدفع، وألا تُهين روحك في سبيل ودّ لا يُثمر، إنه يُربّيك على الرضا، ويحررك من سجن السؤال، ويضع يدك على كتفك ليقول لك: “امشِ، لا بأس، وكلّ شيء عنده بميزان”، وتذكّر: “من ما راد أبوك ما رادك”.







