(فنون بحرية) .. المعتقدات الدينية عند شعراء السفن الشراعية ..
نتابع معكم سلسلة وحلقات فنون بحرية في حلقتها الثانية مع الشاعر الغنائي المميز ، د/ صالح عبيد باظفاري
انقسمت فنون الغناء البحري إلى ثلاثة أنواع وهي « اليامال» و «الخطفة» و الحدادي في الخليج العربي و(البانوش .. والتجلوب .. الكاسر) عند صيادين حضرموت في جنوب اليمن وهذه الانواع من الغناء يكثر فيها السرد الإلقائي والفن التلقائي عند ابحارهم في غياب البحور أثناء رحلاتهم الموسيقيه ويتم كل ذلك على ظهر السفين وخارجها.
أما غناء البانوش هو ضرب من الفن البحري عند عامة صيادين جنوب اليمن ويختص برفع أشرعة السفينة والبدء في رحله جديد للصيد والبحث عن الرزق .
امافن (التجلوب) هو فن يقوم به النساء على الساحل لاستقبال السفن القادمه من رحلتها بعد غياب ومن الأهازيج التي تغنى بها الملاحين والصيادين أثناء ورحلة بحريه يوميه حتى العودة وهذه الرحله تشبه رحلة الخطفة في الخليج ولها أنواع متعددة من الغناء ومن أغنيات التجديف الذي يبدأ بقولهم (هي لله ياشيله) ثم يتلو يأتي أحد الشعراء من البحاره بالابيات مسجعة تناسب النغم واثناء الرحله إلى داخل البحر يختلف النمط الغنائي بقولهم (هيله لقدوم .. وهيله للخور) وهي اتجاهات يقصدون الصيد فيها ولما يشد العمل يرددون اعزوجة (هيلا يا بانوش) وبعد انتهاء الرحلة وأثناء العودة يرددون (هيلي عـ البر) أما في موسم فصل الخريف عندما يكون البحر في حاله من الاطراب يرجع الصيادين والملاحين سوا إلى جدورهم الوثنيه من خلال ترديدهم لكلمة (سوبان) وهو أحد آلهة البحر وعند الملاحين كما ذكرنا عند عودتهم يستقبلهم اهاليهم اهازيج التجلوب وهي اهازيج تقوم بها النساء على الشاطئ ومنها قولهم
جليب يا مجلب .. جليب يامجلب
يـا قريـب الـفـرج يــا قـريـبْ
يالله مـع الصاري يــا قـريـبْ
حيَّا ومرحيب بالهادف ومن هو حضـرْ
رجال مثل النِّمارة مـا تهـاب الخطـرْ
وقولهم
إن تشـا تصاحـب صاحـب ريالـك
وأهلك، لا ما عنـدك ريـالات، ملّـوك
والنـاس لـو تضحـك ريــا لــك
ريالك ولوكنت فاضي فقـط ملّـوك
وهذا المعنى متكرر في أهازيج الخليج ومنه قولهم في أحد اهازيج الخطفه
دوَّرت في الخِلاَّن ما ريـتْ
ما ريتْ صديق غير الفلوسْ
يعزِّن قدرك وين ما جيـتْ تضحك لو ماميش نامـوسْ
حليب يامجلب .. جليب ياالله مع الصاري
جليب يامجلب .. جليب يسرع ولا يبطئ
وعليه كثير من الاشعار والاراجز ويعبر هذه النوع من الفنون التي يميل إليها البحارة لاستعادة نشاطهم بعد رحله شاقه عانوا منها ويلات السفر .
إن ما وصل إلينا من الشعر الجاهلي يعكس بصورة واضحة للحالة الدينية عند شعراء السفن في الجزيره العربيه والخليج واليمن وكان من أسباب تلك الحاله الدينيه الطقوس التي يمارسها الوافدين من أجناس مختلفه فمنها اكتسب الشعر الديني الوثني ريادته قبل اعتناق العرب للإسلام وتؤخذ على ذلك نموذج لوثنية العرب في ما رواه صاحب الأغاني ابي فرج الأصفهاني أن امرأ القيس بن حجر الكندي عندما قُتل أبوه مر بمعبد ذي الخلصة، ليستقسم بالسهام، فلما أخرج السادن سهم النهي ثلاث مرات قذف امرؤ القيس بالسهام في وجه الصنم، وقال: لو كان أبوك الذي قُتل لما نهيتني عن طلب الثأر له وقد ساد اعتقاد أمرؤ القيس في سلوك شعراء السفن وبحارتها فترجم ذلك في غنائهم الروحاني . وكون الشعر يعد مراجعنا في الاستدلال بأحداث الملاحه وحياة أصحاب البحر والملاحة واعتقاداتهم الوثنية وهذه الظاهر قديمه عند العرب قبل الإسلام واستمر بعد ذلك في اشعارهم وانقرضت من معاملاتهم بحكم دخولهم في الاسلام .
إن الوثنية عند أصحاب السفن تعد من أبسط أشكال المعتقدات السامية التي تعكس ذاتهم في هزجهم
قد تمسك هولاء الشعراء بعبادة بعض الأجرام السماوية، ولعلهم تأثروا في ذلك بجاهلية اجدادهم فـ انعكس ذلك الإرث التراكمي في فنونهم عبدوا القمر والشمس وغيرها من الكواكب والنجوم وهذه الظواهر الشعريه لا تزال تمارس كـ طقوس في اشعارهم ورقصاتهم وسوف نستعرض بعض تلك الاهازيج بالتفصيل في الشهر القادم إن شاءالله