(فنون بحرية) .. المعتقدات الدينية عند شعراء السفن الشراعية .. الحلقة (1)


د. صالح عبيد باظفاري
تعد الفنون البحرية من التراث اللامادي رغم أنها تمثل حياة ذات طقوس دينية وثقافية قبل الإسلام وبعده في جميع الموانئ التي كان تحمل العلامات التجارية في كافة العصور القديمة وتعتبر موانئ المملكة هي أحد أكبر الموانئ التي كانت تمر عبرها الصادرات إلى المدن الأوربية من خلال ريادتها في تصدير بخور ألهة الكنائس والمعابد الأوربية والأسيوية آنذاك مما جعلها عرضه للغزو من قبل أمراء الحرب ورواد البحر من وأساطينه وقاداته واليوم أصبح دلك التاريخ مادّة قل ما تجدها في البحوث العلمية.
كانت الحياة الدينية في بعض الموانئ العربية قبل الإسلام مشابهةً لما كانت عليه الديانات غير السماوية، عندما عبد الإنسان بعضًا من مظاهر الطبيعة، وعلى رأسها الأجرامُ السماويّة وخصوصا عند الصيادين والملاحين ما وصل إلينا إلا القليل من تلك الحياه البحرية المجهولة .
ينفرد شعراء بحر العرب دون غيرهم من شعراء الدول الأخرى بالابتهالات وصنع المواويل البحرية في التقرب الى الإله وصياغة الأشعار الأراجيز وغيرها من الابتهالات التي تدل على عمق الموروث البحري .
من المعروف أن قرون الثيران ترمز إلى القمر والنجمةِ الثمانية ترمز إلى نجمة الزهرة أما عند الجنوبيون يتقدمون بتماثيل الخيل تقرّبًا إلى الآلهة (ذت بعدن)، أي البعيدة وهي الشمس التي يُعبّر عنها بالفرَس وهي من الحيوانات التي قدّسها قدماء الساميّين (سين) إله القمر يُعتبر «سين» من أهمّ الآلهة التي عُبدت في بادية وسواحل الجزيرة العربية وأرتبط بدعوات الشفاء من الأمراض والحماية. وكثيرًا ما تبدأ الأشعار بترديد لفظة «سين» في مقاطع أشعار «العامة» مثل ياسين عليك فيقال «يا سين عليك يا فلان» وهنا يأتي يتوظَّفُ «سين» بقصد الحماية من الشرّ أو إذا تعثّر إنسانٌ بشيءٍ ما فيقال «يا سين عليك»، أي سين يحفظك. ولا يزال لفظ «سين» يتردّد في أشعار الشعبية من دون أن يكون له مدلولٌ قدسي بل يوظّفُ للحفاظ على الإيقاع الشعري في الاوزان الشعبية كما وُظّف الإله «سن، سين»
وقد وضف الشاعر حسين أبوبكر المحضار لفظة (سين ) في الأغنية الحضرمية كموروث تقافي بحري عند أهل الشحر وحضرموت عامه حيث قال :
ياسين يا حافظ علي ديك العيون
لا قد صلحنا أمرنا أمر العوادل باي هون
وفي قصيده اخر نراه يقول :
حلفوا لي اليامين بالله وياسين
ما فكروا في اليمين كذابين
وكالشمس والقمر والنجوم والكواكب. في هذه المظاهر رأى الإنسانُ الخيرَ والشرّ معًا، فحاول التقرّب منها واسترضاءها بالدماء والطقوس والتعبّد، وحملها معه في أشعاره ومعتقداته، ورسمها على جدران الكهوف التي شكّلت بيوتَ عبادةٍ ومأوًى يلجأ إليه من تقلّبات الطبيعة.
يُعدّ القمرُ والشمسُ والزهرةُ أبرزَ الأجرام السماوية التي عبدها إنسانُ أهل شبه الجزيرة العربية وعلى الرغم من أنّ إلهَ سوبان وهبيل استحوذا على الاهتمام الأكبر في أشعار الملاحين الحضارم وعرب شبه الجزيرة من حيث الاعتقاد الوثني السائد مندو القدم وحسب التوارث الثقافي البحري أنشأت طقوس المعتقدات الدينية من هالات العبادات الوثنية كما أشار القران الكريم الى تسفيه الاقتداء بالآباء في عبوديتهم ومن أهم عقائد الجاهلية تمسكهم بألهتهم (الغوث) والدي يعتقدون أنه يغيثهم عندما يدعونه أو يستغيثون به لنجدتهم وقد قال أبن الكعبي في كتابه (الأصنام) كان يغوث ميمون النقيبة عند الحرب كما كان سواع مزار الحوامل من النساء أما هبل فأليه ترجع أمور الأصنام ويتقد أنه ألأهم والأعظم أو أبو الألهة وكما قال أحد شعراء البحر في أهزوجة يرددها البحارة في توارث زمني مندو قرون يطلب فيها شاعر السفينة الشراعية الاستغاثة من ألإلة (هبل) بقولهم:
يا هبل يامالي
شيله يا شيلة
يا مالي الغالي
شيله يا شيلة
كما ورد في أسم هبل في أهزوجة بحرية أخرى بطلب المساعدة على التجديف للدخول بسهوله الى أعماق البحر بقولهم :
سوايبكم على الجرة هبل والليل يسرى
بلادي بقد المضنون هبل والريح قلح
لقد خاطب الشاعر الألة هبل بأن تجلب أليه الريح واعتمد أهل البحر في رحلاتهم على النجوم الفلكية حيث أن تلك النجوم كانت في زمان الجاهلية الأولى بأسماء الألهة الوثنية مثل (سعد السعود / سهيل اليماني / سعد الدابج ) وغيرها من النجوم وكما قال الشاعر :
(عيناه في سعد السعود وأنما
مسرى خطاه بكف سعد الدابج )
لقد صنع رجال السفن الشراعية لأنفسهم عوائد ارتبطت بمعتقداتهم الدينية خاصه وفي طقوسهم تلك تفرد شعرائهم بابتداع النظم الجميل المتناغم مع كل موقف بجري يتعرضون له وكانوا يعتقدون أن لهم في عقائدهم كرامات عند تقربهم من الأولياء فدعوهم لإنقادهم من أهوال البحر وأمواجه العاتية وكوارثه المدمرة وقد ظهرت الكثير من قصائد توددهم لنجدتهم عند الشدائد ونرى دلك الموقف جليا وأكثر
إن الجذور تاريخية للغناء البحري قديمة بقدم الإنسان في موانئ الخليج وقد تكونت من خلالها العديد من الفنون الشعبية البحرية التي تمتد إلى العهد الوثني الجاهلية الأولى وقد ظهرت تعبيراته الموسيقية في اعتقاداته المهنية من خلال الإيقاع واللحن البحري الذي يعكس تنزع ذلك الفكر الجاهلي في أغاني «البحر وتنوعت أساليب الغناء الشعبي البحري المعروفة منذ القدم في الابتهالات التوسل الاوثان وبعض الألهة التي كانت تعبد عند أسلاف الملاحين ونواخيد السفن الشراعية والتي لاتزال لها حضور إلى يومنا في اهازيجنا الشعبية البحرية.




