مقالات وآراء

من واحة الصمت إلى عرش القرار: رسالة زنوبيا ملكه تدمرإلى كل امرأة أرادت معالي الامور

اعداد/خالد على راجح بركات

في البادية التي لا تُنبت إلا ما يسقيه الوفاء قبل الماء، لم تكن زنوبيا ملكة لأنها ورثت اسمًا، بل لأنها رفضت أن تبقى ظلًا على قبر. حين سقط أذينة، الزوج الذي صدّ موج الفرس، لم تنحِ رأسها على الذكرى كما تنحني النساء على ما يُنتزع منهن. رأت في الفراغ الذي خلّفه بابًا لا يُغلق إلا بيدٍ تعرف كيف تمسك بالمتغيرات قبل أن تمسك هي بها. 

الوفاء عندها لم يكن دمعًا يُسقى الرمل، بل قيامًا على ما بناه الرجل، وحفظًا لابنه، ومدًّا للطريق الذي كان يمشي عليه قبل أن يُقطع.لم تتسع مملكتها لأنها طمحت إلى مجد يُروى في الأسواق، بل لأنها قرأت تصدّع الإمبراطورية كما يقرأ الراعي الغيم قبل أن يمطر. 

مدّت سلطان الواحة إلى مصر والأناضول، لا بغزو يُشبه صراخ الغزاة، بل بإدارةٍ تعرف أن الألسنة المختلفة والأديان المتباينة لا تُجمع بالسيف وحده، بل بثباتٍ يُشبه ثبات النخلة التي لا تميل إلا إذا عرفت جهة الريح. ضربت العملة باسمها، لا لتُعلن نفسها فوق البشر، بل لتقول إن المرأة إذا فهمت اللحظة استطاعت أن تجعل من الواحة مركزًا، ومن الصمت قرارًا

. القيادة عندها كانت عينًا ترى المشهد كله قبل أن يراه الخصم، ويدًا تعرف متى تُرسل ومن تُبقي، ومتى تتوقف قبل أن يطول الطريق عن قدرة الحارس.وحين عاد أوريليان متماسكًا، لم تُكابر حتى النهاية. حاولت أن تعبر الفرات طلبًا لسندٍ يصل في وقته، فأمسكتها اليد التي كانت تُطارد الفراغ. ثم ثارت المدينة بعد الاستسلام، فحوّلت الرحمة إلى عقاب. هنا يظهر وجهها الأكمل: أنها عرفت حدود القوة، لكنها لم تحسب دائمًا حساب الغضب الذي يلي الهزيمة. 

الوفاء للزوج لم يعصمها من الخطأ، لكنه عصمها من أن تكون مجرد ذكرى تُروى بعد المعركة. حملت اسمه وابنه، ووسّعت ما بدأه، ثم وقفت حين انكسر الميزان، تاركة للرمال درسًا أوضح من أي نقش.

أيتها المرأة التي تعيشين في زمن لا يشبه القرن الثالث، ولا في واحة تشبه تدمر: معالي الأمور لا تُنال بالانحناء على ما مضى، ولا بالمكابرة على ما لا يُطاق. الوفاء ليس أن تبقي على صورة من رحل، بل أن تحملي ما كان ينوي إتمامه إذا كنتِ قادرة على قراءته. والقيادة ليست رفع السيف، بل معرفة الشقوق في الجدران الكبيرة قبل أن يملأها غيركِ، واختيار الحليف قبل أن يختاركِ العدو، والتوقف قبل أن يطول الطريق عن قدرة الواحة. 

من أرادت أن تكون أكثر من ظل، فعليها أن تتعلم لغة المتغيرات كما تعلمتها زنوبيا: أن ترى الفراغ قبل أن يُغلق، وأن تبني من حجر الوفاء لا من رمل الأسطورة، وأن تجعل من صمتها قرارًا، ومن وفائها عرشًا لا ينهار حين تعود الرياح متماسكة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com