ميناء الشوق .. حيث لا أحد قادم


بقلمي: فايزة حامد الثبيتي
تعبنا من الانتظار، ومن خداع أنفسنا بأن البقاء في ميناء الشوق سيُتعب الغياب يومًا، فيرحل. مرّت الأعوام، وما زلنا نحرس مراكبَ لن تعود، ونلوّح لبحرٍ أخذ أحبّتنا ومضى، كأن التلويح الطويل قادرٌ على تغيير وجهة السفن.
الغياب الذي لا أمل منه ليس وجعًا عابرًا، بل سكنٌ دائم في القلب. هو أن تستيقظ وقد خفّ الألم، لا لأنك تعافيت، بل لأن الحزن استقرّ حتى صار جزءًا منك. أن تتوقف عن السؤال، لا لأنك وجدت الإجابة، بل لأنك فقدت الرغبة في سماعها.
في البداية كنّا نعدّ الأيام، ثم صرنا نعدّ السنوات، ثم فقدت الأرقام معناها. وبقي المكان كما هو، إلا منّا نحن. نحن الذين تغيّرنا، ونحن الذين بهتت أرواحنا من الوقوف الطويل على عتبة المستحيل.
بعض الغائبين لا يعودون. ليس لأن الطريق بعيد، بل لأن العودة نفسها ماتت في قلوبهم. وحين يموت الأمل، لا يعلن وفاته دفعة واحدة، بل ينطفئ ببطء، مثل مصباح يقاوم العتمة حتى آخر ذرة من ضوئه.
وما أقسى أن يكتشف الإنسان أن ما كان ينتظره لم يكن متأخرًا، بل كان منتهيًا منذ زمن. وأن كل تلك الأمنيات التي سقاها من عمره لم تكن إلا أزهارًا على قبرٍ لا يدرك أنه قبر.
تعبنا من الانتظار، لأن الانتظار نفسه أصبح نوعًا من الفقد. وتعبنا من التذكّر، لأن الذكريات لم تعد تُدفئ القلب، بل تفتح فيه نوافذ للبرد. وتعبنا من الإقناع، من قول: ربما، ولعلّ، وماذا لو؟ بينما الحقيقة كانت تقف أمامنا صامتة، واضحة كالفجر: لا أحد قادم.
بعض الغياب لا يُشفى. نتعلّم فقط كيف نحمله دون أن نسقط. وكيف نبتسم وفي داخلنا مقعد شاغر لا يجلس عليه أحد. وكيف نكمل الطريق بقلبٍ يعرف أن هناك أسماء غابت، ولم تترك خلفها سوى فراغٍ يتّسع كلما حاولنا نسيانه.
وفي النهاية، لا نغادر ميناء الشوق لأننا نسيناهم، بل لأننا أدركنا أن أعمارنا أقصر من أن نقضيها نراقب الأفق. نرحل ونحن نعلم أن بعض السفن حين تغيب لا تضيع في البحر فحسب، بل تضيع منّا إلى الأبد. وأن أقسى ما في الحكاية ليس الرحيل… بل اليقين بأن لا عودة بعده.














