هل ذهب الماضي هباءً منثورًا؟

فاطمة الحربي
يُقال إن الماضي لا يعود، وإن ما فات مات، لكن هل يعني ذلك أنه ذهب هباءً منثورًا؟ هل كل ما عشناه، بكيناه، ضحكنا فيه، وخذلنا أو انتصر لنا، لم يترك أثرًا يستحق التقدير؟
الواقع أن الماضي لا يُمحى. هو الذاكرة التي تشكل وعينا، والخطأ الذي علّمنا الصواب، والخذلان الذي كشف لنا معادن الناس، والفرح الذي لم يدم لكنه علّمنا قيمة اللحظة. كل لحظة مضت كانت لبنة في بناء ذواتنا، سواء كانت طيبة أو مؤلمة.
من يقول إن الماضي ضاع عبثًا، غالبًا لم يفهم ما أعطاه له الزمن. قد تكون التجربة مرّة، لكنها لم تكن عبثًا. قد تكون الخسارة موجعة، لكنها كشفت لك من يقف معك حين تنهار. قد تكون العلاقة قد انتهت، لكنها تركت فيك نضجًا لم يكن ليأتي دونها.
نحن لا نحمل على ظهورنا ماضيًا فارغًا، بل نحمل تاريخًا من التجارب، المحاولات، التعلّم، الانكسارات التي بنتنا، والانتصارات التي ذكّرتنا بقيمتنا.
الماضي ليس هباءً، بل هو أرشيفنا الخاص، بكل ما فيه من مواقف شكّلت هذا الذي نحن عليه اليوم. فحتى لحظات الضعف، كانت حجر الأساس في قوتك الحالية.
فلا تلعن ماضيك، ولا تتمنَّ لو أنك محوته. تعلّم منه، افهمه، سامحه، وخذ منه ما يعينك على أن تمضي ثابتًا في حاضرك، صافي النية، قوي البصيرة.
فالماضي لم يذهب هباءً، لكنه ذهب ليُصقل منك إنسانًا لا تنكسر بسهولة