مقالات وآراء

خلافة الأرض وتذليل العوائق الاجتماعية

إعداد/ خالد علي راجح بركات

هناك فرق كبير بين شخص تُديره الحياة فيسير تحت تأثير الظروف والضغوط، وبين شخص يدير حياته بنفسه ويحدد قراراته بوعي ومسؤولية. فئة تقع أسيرة للخارج، وفئة أخرى تملك إرادتها الحرة، ولا تخضع لسلطة نفسية أو مالية أو قرابية أو فكرية تحول بينها وبين اختيار ما تراه مناسباً لها.

من المؤسف أن يفقد بعض الناس القدرة على اختيار مصيرهم: ما يدرسون، وما يعملون، ومن يتزوجون، وكيف يبنون حياتهم الأسرية. والخوف على الأبناء – مهما كان صادقاً – لا يبرر للآباء والأمهات فرض أحلامهم أو تحديد زيجات أبنائهم أو حتى طريقة إنفاق أموالهم. فكل إنسان كيان مستقل، وليس مجرد امتداد لأسرته.

ينتج عن هذا التدخل الزائد عدة مشكلات شائعة، منها: الزواج لإرضاء الأهل لا للتوافق الحقيقي، والالتحاق بتخصص دراسي لا يحبه الشاب أو الفتاة فيؤدي إلى الإخفاق أو الملل، وتقييم العلاقات الزوجية بمعايير الوالدين بدلاً من الواقع، وحرمان الشخص من هوايات بريئة بسبب انتقاد الأقارب، وتحديد دائرة أصدقائه وعلاقاته الاجتماعية من الخارج.

ولا يعني هذا إلغاء دور التوجيه والإرشاد الأبوي المهم، بل يعني رفض وضع قيود اجتماعية تعيق نمو القدرات وتحقيق الأحلام، ما دامت هذه الخيارات ضمن الحدود التي يرضاها الله. كثير من الشباب تمردوا ليس على الدين، بل على عادات وقيود قبلية أو عرفية ضيّقت عليهم الخيارات. فتيات لم يتزوجن بسبب اعتبارات قبلية لا علاقة لها بالشرع، وأخريات تركن الدراسة تحت الضغط الأسري، ورجال لم يتعلموا إدارة حياتهم لأنهم اعتادوا اتباع الآخرين.

يؤكد علم النفس الإيجابي على أهمية أن يتحمل الإنسان مسؤولية نفسه، ويعمل على تحقيق إمكانياته وتنمية طموحاته، ويزيل العوائق التي تحول دون الوصول إلى أفضل ما يمكنه، طالما بقي ذلك في إطار السوية والرضا الإلهي.

ومن أبرز العوائق الاجتماعية غير الدينية التي تعيق التطور:

1. ثقافة الخوف من نظرة الناس، التي تمنع اتخاذ قرارات جريئة ومسؤولة.

2. العادات القبلية والعرفية التي تحصر الزواج في دائرة ضيقة أو تحرم تخصصات دراسية أو مهن غير مفضله

3. نمط التربية الذي يعتمد على الطاعة المطلقة بدلاً من بناء الاستقلال والشعور بالمسؤولية.

إن خلافة الإنسان في الأرض تتطلب منه النمو المستمر والتطور الدائم. قال تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾. والاستعمار هنا يعني العمارة والتطوير. ولا يستطيع الإنسان أن يطور الأرض من حوله إلا إذا طور نفسه أولاً. لذلك يجب العمل على تذليل هذه العوائق الاجتماعية التي ليست من صلب الدين، حتى يتمكن كل فرد من أداء دوره في بناء مجتمع أفضل، محققاً قدراته دون تجاوز لحدود الله.

التطور الحقيقي يبدأ بتحرير الإرادة الشخصية من قيود العرف، مع الحفاظ على الالتزام الشرعي. بهذا يصبح الإنسان خليفة فاعلاً ومبدعاً، لا مجرد تابع مسيّر.

(كتبت هذا المقال لأنني لاحظت أن بعض حالات التمرد والانحياز إلى تصورات غربية لدى بعض الشباب جاءت كرد فعل طبيعي على قيود عرفية صارمة فرضت عليهم، مع أن الدين يتسع لخيارات مباحة كثيرة تسمح بالتنوع والمرونة ضمن إطاره).

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com