وطنٌ يسكننا قبل أن نسكنه


بقلم : أ.محمد الحسني
أنتِ ما مثلك بلد
انتي مامثلك بلد…
خذ لك نفس… واقرأ دواوين الغرام
خذ لك نفس… واسرح وفكر بالمكان
خذ لك نفس… وراجع ظروف المكان
ولا تصرخ بصوت الحقود
ولا تكابر يا حسود…
هذي البلاد…
أول وطن
فيها نزل أبو البشر
وفي ثراها اندفن
جسد حواء بكفن
هذي بلاد العاكفين
وهذي بلاد العارفين
وهذي مأوى الخائفين
في أرضها كانت رسالة أول نبي ورسالة آخر نبي
فلا تكابر يا صبي
وخلك نبيه 🫶🏽♥️
هي مجرد بوح… فأنا لست بشاعر لكن في حب هذا الوطن تتفجر بداخلي كل المشاعر
هي فرحة وطن يسكننا قبل أن نسكنه وطن منحنا أكثر مما منحناه وأعطانا من ذاكرته ما يكفي لكي نعرف من نحن ومن أين جئنا وإلى أين نمضي.
حين أتأمل هذه الأرض لا أراها مجرد مساحة على الخريطة ولا أختصرها في حدود سياسية أو مدن تتسع وتكبر أراها مكانا عالقاً في ذاكرة الإنسان الأولى ففي الموروث الإسلامي ارتبطت هذه الأرض بقصة آدم وحواء وبداية الاستخلاف والعمران ثم حملت بعد ذلك تاريخ النبوات حتى جاءت رسالة خاتم الأنبياء محمد صلى اله عليه وسلم من مكة وانطلقت من هذه الأرض لتغير وجه التاريخ
ذلك التاريخ الذي درست والذي أكاد اجزم بأنني فهمت مغزى الوجودية لهذه الأرض التي قال الله تعالى عنها (إن اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً)
ولم يقل تعالى باركنا حوله بل وصفه بالبركة لذاته ومن خير تلك البركة التي سخرها الله لهذه البلاد واهلها ان جعلهم بداية الانطلاق لحضارة الإنسان وكما بدأت الرسالات بها ختمت كذلك بها ولست هنا ابحث في مبحثٍ تاريخي بحكم تخصصي السابق في هذا المجال وقرائتي المتعمقة فيه ولكن نقف عنده وقفة إجلال لتاريخ هذا المكان وهو شرف شرفنا به وحق لنا به ان نفخر ونحافظ على ذلك التاريخ العريق بقيمنا وحبنا وعطائنا ونترجم ذلك الفخر إلى عمل دؤوب
ففي هذه البقعة من العالم قبر السيدة حواء ام البشر جمعاء وكذلك كان قبر آدم في جبل ابوقبيس بمكة قبل ان يأتي الطوفان ويقتلع كل مامر به وعليه في أودية مكة وجبالها
من آدم الطين إلى بيوت الطين إلى عهد الطيبين… ونحن نتقلب من طيبٍ إلى طيب.كبرنا ونحن نرى وطننا يتغير لكن شيئًا فينا لم يتغير
تمسكنا بقيمنا وبقيت الكرامة أكبر من الحاجة وبقي الإنسان أكبر من المال لم يجعلنا الفقر يومًا نرمي كرامتنا خلف ظهورنا ولم يجعلنا الثراء نتمرد على إنسانيتنا
وهذه واحدة من الأشياء التي أحبها في هذا الوطن أن التحول الذي عاشته بلادنا لم يكن مجرد انتقال من البساطة إلى الرفاه بل كان رحلة طويلة حاول فيها الإنسان السعودي أن يحمل معه قيمه وهو يعبر من زمن إلى زمن.
نحن أبناء مكان له ذاكرة طويلة
جذورنا تغوص في أوتادٍ من الأصالة ولهذا لم تهزنا الأيام ولن تهتز عروبتنا ولا تاريخنا لمجرد أن الزمن تغير
نحن لا نحتفل بالوطن لأنه أصبح غنياً ولا لأنه أصبح حديثا ولا لأن مدنه أصبحت تنافس مدن العالم
نحتفل به لأنه وطننا
لأن فيه آباءنا الذين عاشوا البساطة ولم يشعروا أنهم أقل من أحد.رغم كل ذلك الفقر والحاجة التي مروا بها ولكن لم تسلبهم كرامتهم
وفيه أمهاتنا اللواتي صنعن من القليل كثيرًا وامي التي صنعت من أيتام رجال ونسوة لهم مكانتهم منهم الدكتور والمهندس والأستاذ وكذلك يفعل كل الأمهات في وطني الذي هو الأصل في الأمومة فكيف لا ينجب لنا مثلهن
وفيه طفولتنا ولهجاتنا المتعددة والتي مازلت أؤمن بأنها ارث يضرب في عمق اللغة ويتحدثها أسلافنا منذ الأزل وهي لهجات عربية فصيحة وفيه بيوتنا الأولى وأول شارعٍ مشيناه وأول مدرسة دخلناها وأول فرحة عرفناها وأول جنازة أبكتنا كما هي جنازة ابي التي سكنت قبراً في قلبي وكانت اول قبرٍ استودعه في قلبي وانا ابن العاشرة حينها وتوالت بعده قبور اخوتي التي افتحها كلما أوجعتني الحياة لأستنشق رائحة الذكرى العطرة وهذا وطن آخر بوطن كبير نسكنه ويسكننا
فيه قبور الذين أحببناهم وذكريات الذين صنعوا منا ما نحن عليه
الوطن ليس الأرض وحدها
الوطن هو كل ما يجعل للأرض معنى
ولهذا حين أقول(انتِ مامثلك بلد)فأنا لا أبحث عن مبالغة شعرية ولا أحاول أن أثبت أن أرضنا أفضل من أرض الآخرين
أنا فقط أقول ما أشعر به
أقول إنني حين أمشي في هذه البلاد أشعر أنني أمشي فوق طبقات من التاريخ الذي اعشقه واستمتع به رغم تغييري لتخصصي بعد ثلاث سنين قضيتها بين ارفف التاريخ والتنقيب عن الآثار فوق أرض مر بها الإنسان منذ حكايته الأولى وفوق أرض حملت مكة والمدينة وحملت قبلة المسلمين وحملت المسجد الحرام والمسجد النبوي وحملت ذاكرة أمة كاملة
وأقول إن حب الوطن ليس أن نراه بلا عيوب فالأوطان كالبشر تكبر وتتغير وتتعلم وتخطئ وتصيب.
لكن الحب الحقيقي أن نرى وطننا بكلمراحله ونفرح بما أنجز ونعتز بما ورثناه ونحلم بما يمكن أن نصنعه في القادم
وفي اليوم الوطني لا أريد أن أقول كثيرا
يكفيني أن أتنفس
أن آخذ نفسًا طويلا احبك ياوطن
شيءمن الجنون
أ.محمد الحسني
معلم لغة عربية ومرشد طلابي سابقاً بتعليم جدة







