سباق الشرقية الدولي (27): الرياضة كقيمة مجتمعية لا كسباق فقط

بقلم الكاتب: سيّار عبدالله الشمري
في صباح يوم السبت الثالث عشر من ديسمبر 2025، كانت محافظة الخبر على موعد مع مشهد رياضي يتجدد ولا يفقد بريقه. آلاف العدّائين اصطفوا على خط البداية في سباق الشرقية الدولي بنسخته السابعة والعشرين، في حدث بات علامة بارزة في روزنامة الرياضة السعودية، وموعدًا سنويًا ينتظره الهواة والمحترفون بشغف متواصل.
لم يكن السباق مجرد منافسة رياضية بقدر ما كان كرنفالًا مجتمعيًا متكاملًا، جمع بين الرياضة والصحة ونمط الحياة النشط، في صورة تعكس التحول الكبير الذي تشهده المملكة في دعم الفعاليات الرياضية وتعزيز ثقافة الجري والمشي لدى مختلف فئات المجتمع. تنوّعت المسافات، واختلفت الأعمار، لكن الهدف كان واحدًا: مشاركة، وإنجاز، وتجربة تُكتب في الذاكرة.

ومع انطلاق السباق في ساعات الصباح الأولى، بدا المشهد أكثر من مجرد عدّائين يلاحقون الزمن.
كان هناك حماس، وتحدٍ شخصي، ووجوه جاءت من مختلف المناطق، وأخرى تمثل جهات ومؤسسات، ليؤكد السباق مكانته كمنصة رياضية مفتوحة للجميع. تنظيم محكم، ومسارات معتمدة، ودعم لوجستي متكامل، جعل من الحدث نموذجًا يُحتذى به في إدارة السباقات الدولية.
وفي قلب هذا النجاح، يبرز الدور الفاعل للداعمين وشركاء المسؤولية المجتمعية، وفي مقدمتهم رجل الأعمال الشيخ عبدالعزيز التركي، رئيس اللجنة العليا المنظمة، الذي ارتبط اسمه بدعم الفعاليات الرياضية والمبادرات المجتمعية في المنطقة الشرقية. ويشهد له حضوره المستمر، واهتمامه المباشر، ومساهماته الواضحة التي أسهمت في إنجاح العديد من الفعاليات، مؤكدًا أن دعم الرياضة هو استثمار في الإنسان قبل أن يكون رعاية لحدث.

تميّزت نسخة هذا العام بمشاركة واسعة من العدّائين المحليين والدوليين، إلى جانب حضور لافت للعائلات والمتطوعين، ما أضفى على الحدث بعدًا إنسانيًا واجتماعيًا تجاوز حدود المنافسة. كما أسهمت الفعاليات المصاحبة وقرية السباق في خلق أجواء احتفالية عززت من تجربة المشاركين والجمهور على حد سواء.
غير أن بعض الأحداث لا تُقاس بالنتائج ولا بالأرقام، بل بما تتركه في الذاكرة. فسباق الشرقية، بالنسبة للكثيرين، ليس خط بداية ونهاية فحسب، بل محطة زمنية تتجدد مع كل نسخة، وتحمل معها قصصًا وتجارب شخصية تتقاطع مع تاريخ المكان.

وفي ختام سباق الشرقية الدولي في نسخته السابعة والعشرين، تتقاطع الذاكرة مع اللحظة الراهنة في مشهد يجسّد استمرارية هذا الحدث وأثره العميق. قبل خمسة عشر عامًا، عشت هذا الحدث من بوابة شركة أرامكو السعودية بصفتها جهة منظمة، ضمن منظومة عمل هدفت إلى ترسيخ ثقافة الرياضة وتنظيم الفعاليات باحترافية، وكجزء من هذه المنظومة التنظيمية، يومها كنت أقف خلف المشهد، أراقب التفاصيل، أتابع الانطلاق، وأعيش النبض من موقع المسؤولية والتنظيم وأؤمن برسالة الرياضة وتأثيرها في المجتمع. واليوم، عدت إلى ذات المسار من بوابة شركة روابي، لكنني هذه المرة كمتسابق يعيش التجربة من داخل المسار، بين آلاف العدّائين الذين اجتمعوا على هدف واحد، متسابق يحمل الرقم على صدره، ويجري بقلبه قبل قدميه، ويتنفس الحماس، ويلاحق خط النهاية بشغف مختلف.
اختلاف الأدوار لم يُغيّر من جوهر الحدث، فالسباق ظل حاضرًا بقيمه ورسائله، والشرقية واصلت دورها كمحطة رئيسية للرياضة المجتمعية والدولية. وبين الأمس واليوم، تظل القيم ثابتة، ويظل العطاء ممتدًا، ويثبت الزمن أن بعض اللحظات لا تشيخ… بل تعود إلينا أكثر نضجًا وعمقًا، ويبقى سباق الشرقية شاهدًا على أن هذه التجارب لا تنتهي عند خط النهاية، بل تستمر في الذاكرة، وتُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان… وما أشبه اليوم بالبارحة.







