البيت العسيري قطعة من التراث السعودي العريق و يعتبر أهم ما تنفرد به المنطقة الجنوبية , فهو يتميز بسمات عديدة تختلف عن باقي المناطق , إذ يتميز البيت بتصميمه البديع و بألوانه المشبعة من الداخل , و مما يسترعي الانتباه في العمارة المحلية بعسير تناسق الكتل و توزيع النوافذ الصغيرة على الواجهات الخارجية ,و التي تظهر لنا محاولة البنائين الجادة في إشاعة الانسجام و التآلف بين الد اخل و الخارج , كما تعكس لنا نجاحهم في اختيار وحدات هندسية تناسب مساحة البناء الخارجية و التي كانت عبارة عن وحدات هندسية تجريدية تثير في نفس المشاهد الرغبة و الفضول لدخول هذا البناء و التجول بداخله لمعرفة الكثير عنه , و الاستمتاع بما يحويه من رسوم و نقوش زخرفيه , و قد كثرت الألوان من الداخل.
للعمارة في عسير أنماط متنوعة بسبب تنوع الظروف المناخية وتوفر مواد البناء في المنطقة , و قد شيدت هذه الأبنية مجتمعة حول بعضها البعض أو منفردة أو متباعدة , و لكن أغلبها مجتمعة و متجاورة و متلاصقة , و كان تقارب المساكن نتيجة للظروف الأمنية في الماضي , كما وجدت السبل و الممرات الضيقة لتوصل إلى خارج هذه الأحياء السكنية و التي من خصائصها حماية المارة من أشعة الشمس و من الأمطار و الرياح، و قد تتكون هذه المساكن من طابق واحد أو من عدة طوابق , و هذه المباني تضيق كما ارتفع البناء ليوفر ذلك للمبنى قاعدة عريضة للثبات و المقاومة.
الحوائط:
كانت سيدة المنزل هي المسئولة عن الشكل الداخلي للمبنى حيث تبدأ عملها في التزيين الداخلي بعد أن ينتهي الرجل من دوره في البناء و تثبيت النوافذ و الأبواب ,وعمل فتحات صغيرة جدا في الجدران للتهوية, فتقوم هي بتنعيم الجدران و تزيينها و تلوينها و ذلك لأن المنزل كان هو محور اهتمام المرأة فلم تقبل المرأة أن يكون بيتها ذا شكل عادي فكانت تزينه بمساعدة نساء القرية , حيث يقمن بتغطية الحوائط الداخلية بطبقة جصية , و بعد جفافها يقمن بتجميلها بشتى أنواع الرسوم و الزخارف وقد كانت الرسوم عبارة عن رموز ذات دلالات معينة تسمى بالقط , فقد ربطن بين التكوين العام و البيئة المحيطة و لكن بشكل رموز تنقل الرائي من حالة التصوير البصري إلى حالة التجريد مستخدم البساطة في الربط بين الفكرة و اللون و الأرضيات قد تلون باللون أو تجمل بأصابع اليد فتقوم النساء بعد تغطية الأرضيات بطبقة من الطين بعمل تأثيرات زخرفيه منتظمة بالأصابع تجمع بين الغائر و البارز و بهذا استغلت المرأة الخامات المتوفرة في البيئة من ألوان و طين و حجارة للتزيين , وقامت بتوظيفها التوظيف العضوي الأمثل فجمعت بذلك بين الشكل الجمالي و الوظيفة النفعية.
الأرضيات:
إن الأرضيات داخل البيوت العسيرية قد تلون باللون الأخضر الناتج عن ذلك أعواد البرسيم علن الأرض , أو تجمل أرضيات المساكن بأصابع اليد فتقوم النساء بعد تغطية الأرضيات بطبقة من الطين بعمل تأثيرات زخرفية منتظمة تجمح بين الغائر و البارز , وقد تكون الأرضيات لوحات تشكيلية كما في الجدران و تتضح هذه اللوحات على أسطح الدرج أو السلالم الذي تقوم النساء بزخرفته بالزخارف الهندسية المجردة . الأسقف: نظراً لما تتميز به منطقة عسير من كثرة توفر النباتات و الأشجار فلقد انتشر استخدام الأخشاب في عمليات البناء و خاصة في الأسقف لجميع الأنماط المعمارية لما لهذه الأخشاب من قدرة على عزل الحرارة حيث تحفظ الأخشاب درجة حرارة الغرفة , و لا يستخدم الخشب بلونه الطبيعي بل لا بد من إضفاء اللمسة الجمالية التي تتميز بها أهالي المنطقة بتلوين تلك الأخشاب بألوان شعبية زاهية حتى تتناسب مع الوان الغرفة و البيت من الداخل , كما يتم رسم الأسقف في بعض الأنماط خصوصاً أنماط العشش بأسلوب تجريدي هندسي نباتي.
القط العسيري: تعني كلمة “قط” في المعاجم العربية “خط” أو “نحت” أو “قطع”، واشتقت منه كلمتي “القطاطة”، وهي الفنانة الشعبية التي تقوم بعمل هذا الفن و”التقطيط” وهو صناعة الرسم والنقش. ويعد هذا الفن العسيري القديم مهمة نسائية، ففي الوقت الذي كان الرجال يعملون على بناء البيوت وصيانها من الخارج، كانت النساء تعكف على زخرفة المنازل من الداخل، وتقطيط المجالس من خلال رسم أشكال وزخارف متناسقة على الجدران الداخلية. وتستوحي هذه الرسومات أبعادها ودلالاتها من الثقافة المحيطة وتُلون النساء المجالس بألوان مستخلصة من الطبيعة.
أصل ألوان فن القط وزخارفه: يبدأ التقطيط بتجهيز الجدار عن طريق صُنع بودرة من طبقات الجبس يضاف إليها الصمغ، ليتكون خليط يضفي على الجدران مظهراً لامعاً فيسهل تلوين هذه الطبقة. ولتجهيز الألوان تقوم النساء بطحن المواد الملونة المستخرجة من الطبيعة حتى تصبح مسحوقاً ناعماً على رحى من الحجر ليذوب المسحوق ويتم مزجه بعد ذلك بالصمغ، ما يعطيها لُزوجة لتصبح أكثر تماسكاً فيثبت اللون بسهولة. وتتنوع الألوان المستخدمة لتشمل الأحمر (حجر المشقة)، والأصفر (الكركم)، والأسود (الفحم)، والأخضر (البرسيم)، وأُضيف اللون الأزرق لاحقاً بعد أن جلبه التجار إلى المنطقة. وتَخُط السيدات الأشكال باستخدام ريشة مصنوعة من ذيل الماعز. أما عن الزخارف والنقوش، فقد اتخذت عدة دلالات ومعاني، فالخطوط الأفقية تدل على السكون والثبات، والخطوط المنحنية تدل على الحيوية والمرونة. وتعكس النقوش دلالات معينة ومنها “الأرياش” التي تدل عن العلاقة بين الأنثى والنبات، و”المحاريب” التي ترمز إلى الجانب الديني الذي يعتز به المجتمع العسيري. كما تُشير الدراسات إلى أن الأنماط الزخرفية تختلف بحسب القرى والمواقع الجغرافية لمنطقة عسير.
ولا يزال فن “القط” محفوظاً في ذاكرة المجتمع العسيري من خلال اللوحات الجدارية التي انتقلت من المنازل العسيرية إلى أهم الفنادق والأماكن السياحية. كما يرمز هذا الفن إلى الترابط الاجتماعي والتضامن قديماً، حيث كان الرجال عند انتهائهم من بناء المنازل وصيانتها تجتمع السيدات الحي لإنهاء تزيين المنزل من الداخل عن طريق رسم ونقش جداريات القط.
من القطاطات اللواتي اشتهرن بهذا الفن، الفنانة الشعبية الراحلة فاطمة أبو قحاص، التي كانت تُعد مدرسة في فن القط وظلت تمارسه باحترافية طوال 70 عاماً. وعملت أبو قحاص على تزيين الكثير من الأماكن السياحية كحصن رازح، وحصن آل علوان، كما صممت جدارية كبيرة معلقة في فندق أبها الفاخر. وتم اختيار أبو قحاص كأشهر شخصية تراثية في مهرجان الجنادرية لعام 2007. ولأن الإبداع يولد من رحم المعاناة، فقد أجادت الفنانة فاطمة هذا الفن بسبب ظروفها المعيشية الصعبة، حيث كان مصدر رزقها الوحيد عقب وفاة زوجها وإعالتها لأبنائها الثلاثة. الجدير بالذكر أن أبو قحاص ورثت هذه الموهبة عن والداتها وأجادتها منذ الصغر دون حصولها على أي شهادة تعليمية.