جارٍ على جارٍ بختري ونوّار … عندما تتحول النخوة إلى موقف يُكتب بماء الذهب


بقلم الكاتب: سيّار عبدالله الشمري
“جارٍ على جارٍ بختري ونوّار”… شطر من بيتٌ تناقلته الألسن جيلاً بعد جيل، ليبقى شاهدًا على أن الجار للجار سندٌ وعزوة، وأن المواقف العظيمة لا تُقاس بالكلمات، وإنما بالأفعال التي تُخلّد في صفحات التاريخ.
وهذا المعنى النبيل أعاد رجال التومان (المساعيد) تجسيده على أرض الواقع، حين هبّوا جميعًا لفزعة جارهم فليح بن جبل الوزري بعدما أصبح منزله مهددًا بالبيع في المزاد العلني إثر تعثره في السداد. فلم ينتظروا مناشدة، ولم يلتفتوا إلى صعوبة المبلغ، بل أعلنوا أن بيت الجار مسؤولية الجميع، وأن الكرامة لا تُترك للمزاد.


وكان في مقدمة هذه الوقفة المشرفة الشيخ فيصل بن مشل التمياط، الذي أثبت أن القيادة الحقة تُعرف في ساعات الشدة، فكان دوره باعثًا على التكاتف، وكلمته جامعة، وموقفه امتدادًا لإرث الآباء والأجداد في إغاثة الملهوف.
وبرز كذلك الأستاذ فليح بن عايد التومي، الذي قاد حملة الفزعة بكل همة وإخلاص، فكان المحرك لهذه المبادرة المباركة، متنقلًا بين الرجال، باعثًا للحماس وروح العطاء، حتى أثمرت جهوده، بعون الله، عن جمع سبعمائة ألف ريال خلال ثلاثة أيام فقط، ليُفك منزل الجار من المزاد، ويُكتب موقف سيظل وسام فخرٍ على صدور التومان (المساعيد). وهذا المبلغ الكبير وهذه المدة القصيرة رقم يعكس حجم التلاحم وسرعة الاستجابة، ويؤكد أن الخير لا يزال حاضرًا في نفوس الرجال.
لقد أثبت هذا الموقف أن الشهامة لا تزال حية، وأن القبائل الأصيلة لا تعرف التخلي عن جارها، بل تعتبر مصابه مصابها، وهمّه همّها، امتثالًا لقيم الإسلام وعادات العرب الأصيلة. وليست المواقف العظيمة ما يُقال عنها، بل ما يُصنع على أرض الواقع. وحين تضيق السبل بأحد الجيران، تظهر معادن الرجال، ويبرز أهل الوفاء الذين يجعلونه من الشهامة نهجًا، ومن الفزعة عنوانًا لا يعرف التردد.
وقد جسدت عشيرة التومان (المساعيد) هذا المعنى بأجمل صوره عندما هبّوا لنصرة جارهم الوزري، فلم يقفوا موقف المتفرج، ولم يكتفوا بكلمات المواساة، بل حولوا مشاعر الأخوة إلى عمل، وعملهم إلى إنجاز سيبقى شاهدًا على أصالة القيم العربية.
إن هذا الإنجاز لم يكن مجرد جمع مبلغ مالي، بل كان رسالة إنسانية سامية تؤكد أن الجار ليس وحيدًا إذا أحاط به أهل المروءة، وأن الروابط الاجتماعية الصادقة أقوى من كل الأزمات. فقد استطاع أبناء التومان أن ينقذوا منزل جارهم من البيع، ويحفظوا له كرامته، ويعيدوا إليه الطمأنينة، في موقف يبعث الفخر والاعتزاز.
ويستحق أبناء التومان (المساعيد) كل الثناء على هذه المبادرة التي أعادت إلى الأذهان صور التكافل التي عُرفت بها القبائل العربية عبر تاريخها. فمثل هذه المواقف لا تُقاس بحجم المال، وإنما بعظمة النفوس التي بذلته، وبالقلوب التي اجتمعت على الخير دون انتظار مقابل أو ثناء.
فهنيئًا لعشيرة التومان هذا الشرف، وهنيئًا للشيخ فيصل بن مشل التمياط هذه القيادة الحكيمة، وهنيئًا للأخ فليح بن عايد التومي هذا الجهد المبارك، وهنيئًا لكل رجلٍ شارك في هذه الفزعة التي أعادت الأمل إلى أسرةٍ كادت أن تفقد منزلها وهذا الشرف الذي سيبقى حديث المجالس، وصفحة ناصعة في سجل المكارم، ودليلًا على أن النخوة لا تزال تنبض في قلوب الرجال.


وستبقى هذه الوقفة عنوانًا خالدًا للنبل والوفاء، وشاهدًا على أن القبائل الأصيلة لا تزال تحفظ إرث الآباء والأجداد، حيث النخوة دين، والوفاء عهد، وإكرام الجار شرف لا يساوم عليه الرجال.
سلامٌ على رجالٍ إذا نادى المنادي أجابوا، وإذا استغاث بهم الملهوف حضروا، وإذا كتب التاريخ صفحات المروءة، كانت أسماءهم في مقدمة سطوره.







