حوكمة المفاهيم: بين المفهوم العلمي للطاقة، والتوكل على الله، وحماية الوعي المجتمعي




بقلم / ولي علي ولي حدادي
تقوم الدول والمؤسسات الحديثة على ثلاثة مبادئ رئيسية: احترام العلم، واحترام العقيدة، واحترام سيادة النظام. وعندما تختلط هذه المجالات، أو تُستخدم المصطلحات العلمية خارج معناها الحقيقي، أو تُقدَّم أفكار غير مثبتة على أنها حقائق علمية، فإن ذلك قد يؤدي إلى اضطراب في الفهم، ويؤثر في جودة القرار، ويضعف الثقة بالعلم والتخصص.
وبحكم تخصصي في الكهرباء، فإنني أنظر إلى مفهوم الطاقة من زاويته العلمية والهندسية، حيث إن الطاقة في الفيزياء ليست وصفًا للحالة النفسية أو للفكر أو للمشاعر، وإنما هي كمية فيزيائية محددة، لها تعريف واضح، وتخضع للقياس والتجربة.
فالطاقة هي القدرة على إحداث شغل أو تغيير في نظام فيزيائي، وترتبط بمفاهيم علمية دقيقة مثل القوة، والقدرة، والتيار الكهربائي، والجهد الكهربائي، والمقاومة الكهربائية، ولكل منها تعريف ووحدة قياس وتطبيقات معروفة في الهندسة والعلوم الطبيعية.
أما الفكر الإنساني، والنية، والمشاعر، فهي موضوعات تدرسها علوم النفس والعلوم المعرفية والفلسفة، ولا يوجد إجماع علمي يثبت أنها أشكال من الطاقة الفيزيائية أو أنها تنتقل بين البشر أو تؤثر في الواقع الخارجي بالمعنى الذي يطرحه بعض الخطابات.
ومع ذلك، فقد انتشرت في السنوات الأخيرة مصطلحات مثل “الطاقة الإيجابية”، و”الفكر الإيجابي”، و”قانون الجذب”، و”رسائل الكون”، وأصبحت تُطرح في بعض الدورات التدريبية والبرامج الإعلامية باعتبارها وسائل لتحقيق النجاح أو تغيير الواقع أو التأثير في الآخرين.
كما تُستخدم عبارات مثل: “استقبل الخير من الكون”، و”اطلب من الكون”، و”أرسل نيتك إلى الكون”، مع أن التوحيد في الإسلام يقوم على أن الخير والرزق والتوفيق بيد الله سبحانه وتعالى وحده، وأن التوكل عبادة لا تكون إلا لله، وأن الكون مخلوق لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعًا ولا ضرًا إلا بإذن الله.
وتتضمن بعض البرامج كذلك مطالبة المشاركين بأن يتخيلوا أنفسهم يعيشون داخل قصر، أو منزل فاخر، أو يقودون سيارة معينة، مع الإيحاء بأن هذا التخيل سيؤدي إلى تحقيق تلك النتائج. وقد يكون التخيل وسيلة نفسية لتنظيم الأهداف أو تعزيز الدافعية، إلا أنه لا يوجد إجماع علمي يثبت أن مجرد التخيل يغيّر الواقع الخارجي أو يحقق الأمنيات دون عمل وأخذ بالأسباب.
كما تتكرر عبارات مثل “روحي وروحك تتلاقى”، وتُطرح أحيانًا على أنها حقائق ثابتة، بينما الأرواح من أمور الغيب التي لا يجوز الجزم فيها إلا بما ثبت في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة.
ومن الأمانة العلمية أيضًا احترام حدود التخصص. فالتخصص في الإدارة، أو الموارد البشرية، أو تقنية المعلومات، أو اللغات، أو التنمية المهنية، يمثل قيمة علمية في مجاله، لكنه لا يمنح صاحبه صفة الاختصاص في الفيزياء أو العلوم الطبيعية أو العقيدة الإسلامية. ولذلك فإن أي مفهوم يُقدم على أنه حقيقة علمية يجب أن يستند إلى الأدلة الصادرة من أهل الاختصاص في المجال ذاته.
كما أن انتشار فكرة في الأدبيات الغربية أو في برامج التنمية الذاتية لا يجعلها حقيقة علمية أو نظامية بمجرد انتشارها، لأن معيار القبول في البحث العلمي هو الدليل، وليس الشهرة أو المصدر الجغرافي للفكرة.
ومن المنظور القانوني، فإن حماية كرامة الإنسان، وخصوصيته، وحرمة مسكنه، من المبادئ الأساسية التي تكفلها الشريعة الإسلامية والأنظمة الحديثة. وإذا وُجدت صور أو تسجيلات أو مستندات تُظهر تغيرًا قبل واقعة معينة وبعدها، فإنها قد تُعد قرائن تستحق الفحص الفني، إلا أن وجود تغير ظاهر لا يكفي وحده لإثبات سبب هذا التغير. فإثبات الأسباب والوقائع مسؤولية التحقيق الفني والقانوني، الذي يعتمد على مجموعة الأدلة والقرائن والخبرة المختصة، لا على الاستنتاج وحده.
ولهذا، فإن أي ادعاء بوقوع انتهاك لحرمة المسكن أو الحياة الخاصة يجب أن يُنظر إليه من خلال الوقائع المثبتة، والأدلة النظامية، والإجراءات القانونية، بما يضمن حماية الحقوق لجميع الأطراف وتحقيق العدالة.
إن المجتمع الذي يحترم العلم لا يخلط بين المصطلحات الفيزيائية والخطابات التحفيزية، والمجتمع الذي يحترم القانون لا يبني أحكامه على الظنون، وإنما على الأدلة، والمجتمع الذي يحترم العقيدة يجعل توكله على الله وحده، مع الأخذ بالأسباب المشروعة.
وفي الختام، فإن بناء الوعي يبدأ من احترام المصطلحات، واحترام التخصص، والالتزام بالدليل، وصيانة الحقوق. فالعلم له منهجه، والقانون له قواعده، والعقيدة لها أصولها، ولا ينبغي أن يُنسب إلى أي منها ما لم يقم عليه برهان. وعندما يجتمع العلم الصحيح، والالتزام بالنظام، وصحة التوحيد، تتعزز حماية الإنسان، وتترسخ الثقة بالمؤسسات، ويُبنى المجتمع على المعرفة، والعدالة، والمسؤولية.







