صناعة المعروف… والأثر الذي لا يموت

فاطمه الحربي
لم أكن يومًا أعدّ ما أصنع من خير، ولا أسجّل ما قدمت من معروف، ولا أتوقف عند تفاصيله. كنت أفعل ما أراه واجبًا قبل أن يكون فضلًا، وأمشي بهدوء دون أن ألتفت خلفي لأرى الأثر. لكن الأيام، بكل غرابتها، أعادت إليّ ما نسيته، لا على شكل متاعٍ ولا منصبٍ ولا تصفيق، بل على هيئة ذاكرة حيّة في عقول الناس.
يفاجئني اليوم من يذكرني بمواقف لم أعد أتذكرها. يحدّثني أحدهم عن كلمة قلتها في وقت صعب، وعن موقفٍ وقفتُه دون انتظار مقابل، وعن لحظة إنسانية مررت بها عابرة ولم أعلم أنها بقيت عالقة في قلبه كل هذه السنين. حينها فقط أدركت أن المعروف لا ينتهي بانتهاء وقته، بل يبدأ أثره الحقيقي في الصمت، ويكبر في الغياب، ويمتد في ذاكرة الآخرين دون أن ألحظه.
لم أكن أتصنّع فعل الخير، ولم أستخدمه يومًا كوسيلة للصورة أو السمعة. كنت أؤمن أن المعروف إن فقد صدقه مات لحظتها، حتى لو صفق له الجميع. لذلك لم أسعَ لأن يعرفني الناس بما صنعت، بل كنت أسعى فقط لأن يصل الخير لمن يحتاجه ثم أمضي.
واليوم، حين أسمع اسمي يُذكر مقترنًا بما صنعته من أثر جميل، أدرك أن أجمل ما في المعروف أنه لا يحتاج إلى شاهد، ولا إلى إعلان، ولا حتى إلى ذاكرة من صاحبه. يكفي أن يبقى في قلوب من مسّهم في لحظة صدق.
هذا هو الإرث الوحيد الذي يستحق أن يُترك.
ليس مالًا، ولا منصبًا، ولا صورًا محفوظة… بل أثرًا نظيفًا في أرواح الناس




