ملتقى قراءة النص 22 في تذكر المنجز وسؤال التحول


د. أحمد بن علي آل مريع / أبها
حضرتُ ملتقى قراءة النص في دورته الثانية والعشرين، وكان لي شرف الإصغاء إلى أوراقه، ومتابعة جلساته، والمشاركة في بعض مداخلاته، بوصفه لحظة من لحظات الفعل الثقافي التي يُحسّ فيها المثقف أن المؤسسة حين تخلص لذاكرتها وتعي سياقها تستطيع أن تنتج معنى يتجاوز حدود المناسبة.
غير أن تلقي الملحق الإعلامي الذي وصلني بعد انقضاء أيام الملتقى وعودتي إلى أبها، أعاد التجربة إلى الذاكرة على نحو مختلف.
فلم يعد الأمر حضورًا مباشرًا في القاعة، ولا متابعة آنية لجلسة أو ورقة أو مداخلة، بل صار بالنسبة لحالي تلفتًا بالقلب – كما يقول الشريف الرضي- أشبه بما يفعله «الفلاش باك» في السينما أو القصص حين يستدعي الحدث بعد انطفاء ضجيجه الأول، ويعيد ترتيبه في النفس من جهة المنجز، والسياق، والتلقي. فالملحق الصحفي لم يكن مجرد وثيقة إعلامية تضاف إلى أرشيف الملتقى، بل تحول لدي إلى نافذة أطلّ منها على الأيام الثلاثة، وأتاح لي أن جمع ما تناثر منها في لحظة استرجاع واحدة، ودفعني إلى استعادة أوسع، وقراءة أعمق لما تحقق في ذاك الملتقى في دورته الثانية والعشرين بعنوان «آفاق الأدب السعودي في ظل رؤية المملكة 2030»، تحت رعاية صاحب السمو الأمير سعود بن عبدالله بن جلوي، محافظ جدة.
م
ن هذه المسافة بين زمن الحضور وزمن الذاكرة، تبدو قيمة الملتقى في أنه كشف عن جهد ثقافي مؤسسي يحاول أن يحفظ ذاكرة “نادي جدة الأدبي”، وأن يعيد وصلها بلحظة الرؤية 2030 ولحظة التحول الثقافي والوطني الراهنة. فالملتقى لم يظهر، في صورته الكلية، بوصفه نشاطًا موسميًا مبتورًا أو يتيمًا، وإنما بوصفه تقليدًا معرفيًا ممتدًا؛ تقليدًا بدأ من وعي مبكر بأهمية أن تكون القراءة النقدية فعلًا مؤسسيًا منتظمًا وليس اجتهادًا فرديًا مشتتًا. وهذا التقليد العريق ذاكرة قابلة للاستئناف؛ فمن يستعيد مسيرة “قراءة النص” يدرك أن القيمة الحقيقية تكمن في القدرة على تحويل تراكم الخبرة والتجربة إلى استدامة ثقافية.
ومن خلال النظر عبر هذه المسافة أيضًا، يبدو أن الملتقى كان قائمًا على معادلة دقيقة: الوفاء للذاكرة، واستشراف المستقبل من جهة أخرى. فالوفاء تجلّى في استحضار تاريخ النادي، وفي تكريم القاص محمد علي قدس، وفي استعادة أسماء الداعمين والرواد والفاعلين في المشهد الثقافي. أما الاستشراف فتجلّى في عنوان الدورة نفسه: «آفاق الأدب السعودي في ظل رؤية المملكة 2030». وبين الوفاء والاستشراف تشكّلت هوية الملتقى: فليس هو احتفال بالماضي وحده، ولا هو انبهار بالمستقبل وحده، بل محاولة لقراءة الأدب السعودي في لحظة يتحرك فيها الماضي والمستقبل معًا في مضمار الفعل، وداخل سؤال واحد.
لقد كان تكريم محمد علي قدس أكثر من فقرة بروتوكولية في برنامج الملتقى. ففي الذاكرة اللاحقة، يظهر هذا التكريم بوصفه أحد مفاتيح فهم نسخة الملتقى الثانية والعشرين.
فالرجل لم يحضر بوصفه قاصًا فحسب، وإنما بوصفه جزءًا من ذاكرة المكان والمؤسسة والحكاية. العناوين التي أحاطت بتجربته، مثل «سادن الحكاية وحارس التفاصيل» و«حافظ الذاكرة الحجازية»، لا تصنع صورة شخصية فقط لفرد، بل تصنع تصورًا لدور المثقف نفسه: المثقف بوصفه حافظًا للتفاصيل، وسادنًا للذاكرة، وشاهدًا على تحولات المكان، وراعيًا أمينا لجمالياته، وحاضرا بكل فاعلية في المرحلة الراهنة. وقد وثّقت ندوة التكريم شهادات عدد من الأسماء الثقافية حول تجربته الإبداعية والإدارية وإسهامه في الحركة الأدبية والثقافية السعودية.
ومن هنا يتبين أن الملتقى كان يقرأ النصوص، ولكنه كان يقرأ الذاكرة أيضًا. كان يقرأ الأدب السعودي في ضوء الرؤية، ولكنه في الوقت نفسه كان يقرأ “أدبي جدة” في ضوء تاريخه. وهذه المزاوجة بين قراءة النص وقراءة المؤسسة هي ما يمنح التجربة عمقها. فالنص لا ينفصل عن مؤسساته، والمؤسسة لا تكتمل من غير ذاكرة، والذاكرة لا تبقى حية إلا إذا عادت إلى العمل داخل أسئلة ينشئها الحاضر.
أما من جهة المنجز المعرفي، فقد كان العنوان واسعًا ومركبًا غير تقريري: «آفاق الأدب السعودي في ظل رؤية المملكة 2030» عنوان يفتح سؤالًا كبيرًا: كيف يمكن للأدب أن يكون مستلهما لرؤية وطنه، وشاهدًا على تحولاته، وفاعلا فيها، وليس غائبًا عنها، أو صدى باهتًا لها؟ كيف يمكن للكتابة أن تلتقط ما يجري في المجتمع، والمكان، والهوية، واللغة، والتلقي، من دون أن تفقد نسقها الجمالي ووعيها النقدي؟
الأوراق التي شهدها الملتقى تكشف أنه حاول أن يقارب هذا السؤال من مداخل متعددة: الرواية، الشعر، الترجمة، المكان، التجارب الجديدة، الأدب الرقمي، أدبية التفاصيل، وتحولات الدلالة. وهذا التنوع دليل على أن الأدب السعودي غنيّ وثري لا يُقرأ من زاوية واحدة. وليس بنصوص منشورة في أجناس أدبية محدودة، بل فضاء تتداخل فيه الأسئلة الاجتماعية، والتحولات التنموية، وصورة المدينة، والتقنية، والترجمة، والاقتصاد الثقافي، والقوة الناعمة.
وقيمة الملتقى إذا كانت تكمن في تنوع وتعدد محاوره، فإن قيمته الأعمق تكمن في السؤال الذي يجمع بينها: ما موقع الأدب في آفاق الرؤية الوطنية 2030؟ وهل يكتفي الأدب بتسجيل المرحلة، أم يشارك في إنتاج وعيها؟ وحين نعيد النظر إلى الملتقى من عبر الذاكرة، يظهر أن الجهد لم يكن مجرد رصد لعلاقة الأدب بالرؤية، بل محاولة لوضع الأدب داخل بنية أوسع من التحول والفعل الثقافي الوطني. فالرواية تُقرأ في ضوء تحولات المجتمع وهويته، والشعر في ضوء صورة الكيان والقيادة الحكيمة والمكان، والترجمة في ضوء الحضور العالمي، والأدب الرقمي في ضوء تبدل وسيط التلقي، والمكان في ضوء السياحة والذاكرة والتمثيل الرمزي. وبذلك يغدو الأدب جزءًا من إنتاج المعنى والقيمة، لا مجرد نشاط جمالي منعزل.
ومن جهة التلقي، لم يبق الملتقى حبيس الفضاء النخبوي الضيق. فقد تحرك في دوائر متعددة: دائرة رسمية، ودائرة ثقافية، ودائرة إعلامية، ودائرة رقمية. وامتد على مدى ثلاثة أيام، وضم ست جلسات، وخمسًا وعشرين ورقة علمية، إلى جانب حضور إعلامي ورقمي واسع.
هذا التلقي المتعدد يكشف عن أن الفعل الثقافي المعاصر لم يعد يكتمل بمجرد انعقاده. لم تعد القاعة وحدها معيار النجاح، ولا الصحافة، ولا المنصات الرقمية. والأثر صار إلى القدرة على جمع هذه الدوائر كلها: أن يحضر المختصون، وأن تلتقط الصحافة الحدث، وأن يتداوله الجمهور، وأن يبقى بعد ذلك في وثيقة وذاكرة يمكن الرجوع إليهما.
فالتلقي الحقيقي، في تقديري، يبدأ بعد انتهاء الملتقى؛ حين يعود الحاضر إلى ما سمعه، وحين يستعيد ما فات، وحين تتداعى في نفسه الأسئلة التي لم تكن واضحة لحظة الحضور. ففي القاعة يكون غالبًا أسير التفاعل الآني والتتابع: ورقة بعد ورقة، جلسة بعد جلسة، مداخلة بعد مداخلة. أما بعد ذلك، فإن التجربة تُمنح فرصة لأن تتماسك، وأن تقدم نفسها مرة أخرى.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن ملتقى قراءة النص في دورته الـ (22) قد أنجز ثلاثة أمور مهمة:
أنجز أولًا تثبيت الذاكرة المؤسسية لأدبي جدة في لحظة التحول. فلم يسمح للانتقال التنظيمي أن يبدو قطيعة، بل جعله امتدادًا لتاريخ طويل من العمل النقدي والثقافي ، وأنجز ثانيًا موضعة الأدب السعودي داخل أفق الرؤية، لا بوصفه متلقيًا سلبيًّا، بل بوصفه مجالًا لنشر الوعي، وفهم التحولات وتمثيلها وتحليلها والتفاعل معها. وهذا منجز يحتاج إلى أن يستكمل لاحقًا بمراجعة الباحثين/المتحدثين لأوراقهم في ضوء ما حظيت به من نقاشات علمية وجدل معرفي، ومن ثم نشر الأوراق، وترتيبها، وتحويلها إلى مرجع علمي يمكن أن يعود إليه القراء والمثقفون والأدباء..
وأنجز ثالثًا توسيع دائرة التلقي، بحيث لم تعد الفعالية حبيسة جمهورها المباشر، بل صارت مادة قابلة للتداول، والتوثيق، والاستعادة، والتأمل.
ومع ذلك، فإن قيمة هذا الجهد ستزداد حين ينتقل من الذاكرة الإعلامية إلى الذاكرة البحثية. فالذاكرة الإعلامية تحفظ صورة الملتقى، وهذا مهم. لكن المرحلة الأعمق أن تُحفظ أوراقه، وأن تُقرأ توصياته، وأن تتحول محاوره إلى مشاريع بحثية، وأن يُبنى على هذه الدورة تصور أوسع لدور الأدب السعودي في زمن الرؤية. فالملتقى لا يكتمل بما قيل فيه فقط، بل بما يمكن أن يتولد عنه.
في النهاية، وأنا أستعيد الملتقى، ألتفت إليه.. لا أراه حدثًا مضى، بل أراه جهدًا عاد إلى الذاكرة ليطلب قراءة ثانية. هناك فعاليات تنتهي بانتهاء يومها الأخير، وهناك فعاليات تبدأ حقيقتها بعد أن تنتهي. ملتقى قراءة النص 22 ينتمي إلى النوع الثاني؛ لأنه لا يترك في النفس صورة الحضور فحسب، بل يترك سؤالًا في المعنى: ماذا يعني أن نقرأ الأدب السعودي اليوم؟ وماذا يعني أن تقرأ مؤسسة عريقة نفسها في زمن حاضر؟ وماذا يعني أن يتحول الملتقى من موعد ثقافي إلى شاهد وعي؟
لعل أعمق ما تقوله هذه التجربة أن الأدب لا يعيش بالنصوص وحدها، بل بالمؤسسات التي تحميها، والذاكرة التي تحفظها، والأسئلة التي توقظها، والتلقي الذي يمنحها حياة أخرى بعد أن ينفضّ الجمع وتطوى الأوراق.
ولا تبدو الإحصاءات الرياضية التي وثّقت حضور الملتقى وتغطيته الإعلامية وتداوله الرقمي مجرد أرقام مضافة إلى نهاية الحدث، بل هي تأكيد لما ذكرناه من أنها شواهد على أن الفعل الثقافي حين يحسن بناء موضوعه، ويستند إلى ذاكرة مؤسسية، ويتصل بسياق وطني واسع، يستطيع أن ينتقل من دائرة الجلسات والمداخلات إلى دائرة التأثير. فالأرقام والإحصاءات المضمنة في تقرير الملتقى لا تقول إن الملتقى كان حافلًا، بل تقول ذلك، وتقول إن الثقافة حين تجد مؤسستها وموضوعها وجمهورها، تتحول من مناسبة زمنية محدودة إلى أثر ممتد في الوعي والتلقي والذاكرة.
ولا تكتمل هذه القراءة العجلى من غير شكر مستحق لرئيس جمعية أدبي جدة، الصديق العزيز أ.د. عبدالله السلمي، ولأعضاء مجلس إدارتها، ولجمعيتها العمومية، ولكل الفرق العاملة، وأخص بالتحية والتقدير اللجنة الإعلامية، التي أسهمت في إنجاح هذا الملتقى وإظهاره بما يليق بتاريخه ومكانته. والشكر موصول للداعمين الذين آمنوا بالكلمة وقيمتها، وبرسالة الأدب في بناء الإنسان والذاكرة والوعي. ويبقى الشكر الأكبر والأعظم لقادة هذا البلد العظيم، على ما يولونه من دعم ورعاية للثقافة والأدب في المملكة العربية السعودية، حتى غدت الثقافة جزءًا أصيلًا من مشروع الوطن، ومن صورته، ومن مستقبله.





