عسير.. سحر الطبيعة وعراقة الموروث في رحلة فوق السحاب
تجربة سياحية فريدة تجمع بين أصالة المذاق، جمال الفنون التراثية، ومغامرات الهايكنج الجبلية


اشجان -ادراة التحرير
منذ اللحظات الأولى التي تطأ فيها أقدام الزوار أرض منطقة عسير، تبدأ الطبيعة البِكر في بسط سحرها الأخاذ؛ هنا قممٌ شاهقة تعانق السحاب، وضبابٌ كثيف يتهادى بين المنحدرات الجبلية، وغطاءٌ نباتي ممتد على مد البصر.
وفي مرتفعات “السودة” على وجه الخصوص، يتجلى للمشهد بُعدٌ آخر، ليُدرك السائح أن الرحلة ليست مجرد تنقل بين المواقع، بل هي عبورٌ استثنائي إلى تجربة حية تمتزج فيها الطبيعة بالثقافة، والتراث بالمغامرة.
وفي جولة ميدانية نابضة بالحياة، خاضت مجموعة من السياح القادمين من مختلف مناطق المملكة تجربة سياحية متكاملة وسط الغابات الكثيفة، استكشفوا من خلالها أن جمال عسير لا ينحصر في تضاريسها الفاتنة فحسب، بل يمتد إلى تفاصيل حياة يومية حافظ عليها إنسان المكان جيلاً بعد جيل.
أصالة المذاق وموروث يروي التاريخ
بدأت الجولة في أحد المواقع التي تدمج بذكاء بين النمطين التراثي والحديث؛ حيث انبعثت رائحة خبز التنور الساخن وهو يُطهى على الجمر، ليتابع الزوار مراحل إعداده التقليدية قبل تذوقه مع أشهر الأطباق الشعبية العسيرية، وفي مقدمتها “الحنيذ” الأصيل، بجانب أصناف “المشغوفة” و”العريكة” التي تشكّل عمق الهوية البصرية والذوقية للمطبخ المحلي.


وعلى مقربة من المائدة، تنبض الأركان التراثية بالحركة؛ حيث يعيد الحرفيون غزل خيوط الماضي من خلال النسيج العسيري التقليدي، بينما تتولى المبدعات رسم لوحات فن “القط العسيري” بألوان مستوحاة من البيئة المحلية. ويعد هذا الفن العريق أكثر من مجرد زخرفة، إذ يحمل في خطوطه التجريدية دلالات اجتماعية وثقافية عميقة جعلته أحد أبرز عناصر الهوية البصرية للمنطقة.
بين إثارة المغامرة ودفء الضيافة
ولأن عسير باتت وجهة رئيسية لعشاق الأنشطة الجبلية، انتقلت الرحلة إلى مسارات المشي “الهايكنج”، حيث سار المشاركون بين المرتفعات لاستكشاف التنوع النباتي والحياة الفطرية الفريدة التي تزخر بها المنطقة، تلتها تجربة مشوقة لركوب الدراجات الهوائية والنارية في مسارات مخصصة أضفت جوًا من الحماس والإثارة وسط الطبيعة البكر.
وخلال استراحة قصيرة، تجسد كرم الضيافة العسيرية عبر تقديم القهوة السعودية المعدّة من “البُن المحلي” الفاخر الذي حجز مكانته مؤخرًا على خارطة البن العالمية، مصحوبة بالعسل الطبيعي القادم من تهامة عسير، والمعروف بجودته وتعدد مصادر رحيقه.
كما حظي الزوار بفرصة التعرف على صناعة “عصابة الرأس” التقليدية المكونة من الورد الطبيعي والنباتات العطرية، في مشهد يعكس ارتباط الإنسان الوثيق ببيئته الجبلية.
ومع اقتراب المساء، بدت القرى التراثية بحجارتها العتيقة وممراتها الضيقة كمرآة حية تلخص مئات السنين من التكاتف والإبداع الاجتماعي، لتؤكد عسير مجددًا أنها لا تقدم مجرد وجهة سياحية، بل إرثٌ نابض يُعاش بكامل الحواس.
المصدر: وكالة الأنباء واس







