في يوم المعلم.. باني الأجيال وناشر العلم


بقلم /أ.د. عبدالله بن علي التمّام
أستاذ الإدارة التربوية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
في الخامس من أكتوبر من كل عام، يحتفي العالم بالمعلم؛ تقديرًا لرسالته، واعترافًا بمكانته، واستحضارًا لأثره الممتد في حياة الأفراد ونهضة المجتمعات. فالاحتفاء بالمعلم ليس احتفاءً بمهنة فحسب، بل هو احتفاء بالعلم والتربية والقيم، وبمن يحمل مسؤولية تعليم الأجيال وإعدادها للحياة والمستقبل.
ويعود اليوم العالمي للمعلمين إلى عام (1994م)، حين بدأ الاحتفال به سنويًا في الخامس من أكتوبر، إحياءً لذكرى اعتماد توصية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) ومنظمة العمل الدولية بشأن أوضاع المدرسين، التي اعتمدت في باريس في الخامس من أكتوبر عام (1966م). وقد أرست هذه التوصية جملة من المبادئ والمعايير المتعلقة بحقوق المعلمين ومسؤولياتهم، وإعدادهم وتطويرهم المهني، وتوظيفهم، وظروف عملهم، ومكانتهم المهنية. ومن هنا، فإن هذه المناسبة لم تنشأ لمجرد الاحتفاء بالمعلم وتقديم الشكر له، وإنما لتكون أيضًا فرصة لاستحضار مكانة مهنة التعليم ودورها في بناء المجتمعات وتقدمها.
المعلم.. باني الأجيال وناشر العلم
حين نتحدث عن المعلم، فإننا نتحدث عن رسالة يتجاوز أثرها حدود الفصل والكتاب والدرس. فالمعلم باني الأجيال، وناشر العلم، وموقظ الفكر، وغارس القيم؛ يمتد أثره من قاعة الدرس إلى حياة المتعلم، ومنها إلى المجتمع والوطن.
ولا تقاس قيمة المعلم بمقدار ما يقدمه من معلومات فحسب، بل بما يسهم به في تنمية شخصية المتعلم، وتوسيع مداركه، وبناء قدراته، وتعزيز ثقته بنفسه، وغرس القيم الإيجابية فيه، وإيقاظ طموحه نحو مستقبل أفضل. وكم من معلم مضت سنوات على مغادرته قاعة الدرس، ولا تزال كلمة قالها، أو قيمة غرسها، أو موقف تربوي اتخذه، حاضرًا في حياة طلابه.
ومن هنا، فإن كل تقدم حقيقي في التعليم يقف خلفه معلم متمكن، مخلص، ومؤمن برسالته؛ فالمناهج والتقنيات والمباني والأنظمة، على أهميتها، لا تحقق أهدافها ما لم يكن هناك معلم قادر على تحويلها إلى تعلم حقيقي وأثر باقٍ.
التعليم يتغير.. ودور المعلم يتجدد
لقد شهد التعليم عبر مسيرته تحولات متتابعة؛ انتقل فيها من التركيز على نقل المعرفة وحفظها واسترجاعها، إلى الاهتمام بالفهم والتطبيق وتنمية المهارات والتفكير والإبداع، ومن تعليم يتمحور بدرجة كبيرة حول المعلم إلى تعلم يمنح المتعلم دورًا أكثر فاعلية، وصولًا إلى بيئات التعلم الرقمية والذكية التي أصبح الوصول فيها إلى المعرفة متاحًا في كل وقت ومكان.
ومع كل تحول في التعليم لم تتراجع أهمية المعلم، بل تجدد دوره واتسعت مسؤوليته. فبعد أن كان مصدرًا رئيسًا للمعلومة، أصبح مصممًا لخبرات التعلم، وميسرًا لها، ومحفزًا للتفكير، وموجهًا للطالب في عالم تتدفق فيه المعرفة بصورة متسارعة.
ولعل من أهم سمات التعليم المعاصر أن التحدي لم يعد في الوصول إلى المعلومة بقدر ما أصبح في فهمها، وتحليلها، ونقدها، والتحقق من صحتها، وحسن توظيفها. وهنا يتعاظم دور المعلم؛ فكلما اتسعت مصادر المعرفة وتنوعت، ازدادت الحاجة إلى معلم يمتلك الكفاءة التي تساعد المتعلم على التعامل معها بوعي ومسؤولية.
المعلم في عصر الذكاء الاصطناعي
واليوم يدخل التعليم مرحلة جديدة مع التطور المتسارع في الذكاء الاصطناعي؛ إذ أصبح المتعلم قادرًا خلال ثوانٍ على الوصول إلى المعلومات، والحصول على التفسير والتحليل والتلخيص وإنتاج المحتوى بوسائل لم تكن متاحة قبل سنوات قليلة.
وهذا التحول لا يقلل من أهمية المعلم، ولكنه يدعونا إلى إعادة التفكير في أدواره. فلم يعد السؤال: هل نحتاج إلى المعلم في عصر الذكاء الاصطناعي؟ بل أصبح السؤال الأجدر بالطرح: أيُّ معلم نحتاج إليه في هذا العصر؟
نحتاج إلى معلم يمتلك المعرفة والكفاية الرقمية، ويحسن توظيف التقنية والذكاء الاصطناعي في التعليم، وينمي لدى طلابه القدرة على التفكير والتحليل والإبداع، ويعلمهم كيف يسألون، وكيف يتحققون من المعلومات، وكيف يستخدمون التقنية أداةً للتعلم والإنتاج، لا بديلًا عن العقل والتفكير.
ومهما بلغت التقنية من تقدم، فإن للمعلم دورًا إنسانيًا وتربويًا لا ينبغي أن يغيب؛ فهو من يكتشف موهبة الطالب، ويشجعه عند التعثر، ويحفزه على النجاح، ويغرس فيه القيم، ويقدم له القدوة الحسنة. ومن هنا تبقى إنسانية التعليم إحدى أهم المسؤوليات التي يحملها المعلم في عصر التقنية والذكاء الاصطناعي.
المعلم في وطن يضع التعليم في مقدمة أولوياته
وفي المملكة العربية السعودية، يحظى التعليم بعناية كريمة ودعم متواصل من حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان – حفظهما الله –؛ انطلاقًا من العناية ببناء الإنسان السعودي وتنمية قدراته، والإيمان بأن التعليم ركيزة أساسية في تنمية الوطن وصناعة مستقبله.
وتتجلى هذه العناية في حجم الموارد التي تخصصها الدولة للتعليم؛ فقد بلغت ميزانية وزارة التعليم للعام المالي (2026م) نحو (132.7 مليار ريال)، وهو ما يعكس ما يحظى به التعليم من دعم واهتمام، وما توليه الدولة لتنمية الإنسان وبناء قدراته من أولوية في مسيرتها التنموية. وفي قلب هذه المنظومة يقف المعلمون والمعلمات، بوصفهم الركيزة الأساسية للعملية التعليمية.
ويأتي هذا الدعم امتدادًا لمسيرة وطنية جعلت التعليم وتنمية القدرات البشرية في مقدمة أولوياتها، وفي إطار رؤية السعودية 2030 التي أولت بناء القدرات البشرية، وتطوير منظومة التعليم، وتنمية المهارات، وتعزيز الابتكار والتنافسية عناية كبيرة. وفي قلب هذه المسيرة يقف المعلم؛ بما يحمله من رسالة، وما يؤديه من دور في تحويل الطموحات والسياسات والبرامج إلى معرفة ومهارات وقيم وأثر ملموس في حياة الطلاب.
وفي يوم المعلم، يحق لنا أن نستحضر هذه العناية بالتعليم بعين التقدير والاعتزاز، وأن نرفع الشكر والامتنان لقيادتنا الرشيدة على ما يحظى به التعليم ومنسوبوه من دعم ورعاية، وما تسخره الدولة من إمكانات لبناء أجيال مؤهلة وقادرة على الإسهام في نهضة وطنها وتحقيق تطلعاته.
في يومكم.. شكرًا ووفاء
في يوم المعلم، نقول لكل معلم ومعلمة: شكرًا لمن علَّم، وألهم، وغرس قيمة، واكتشف موهبة، وأيقظ طموحًا، وصنع أثرًا يبقى.
فالأمم التي تتطلع إلى مستقبل أفضل تبدأ من تعليم جيد، والتعليم الجيد لا يكتمل إلا بمعلم متمكن، يحمل العلم رسالةً، والتعليم أمانةً، وبناء الأجيال مسؤوليةً.
وفي هذه المناسبة، يتجدد الشكر والتقدير لكل معلم ومعلمة في وطننا، ولقيادتنا الرشيدة التي جعلت الإنسان وتعليمه وتنمية قدراته في صميم مسيرة التنمية وبناء المستقبل.
كل عام ومعلمونا موضع تقدير واعتزاز، ومنارات علم وقيم وعطاء، وبناة أجيال يمتد أثرهم في حاضر الوطن ومستقبله.







