مقالات وآراء

أبناؤنا والإجازة عبر التاريخ.. هل تغيّر الزمن أم تغيّرت أولوياتنا؟

بقلم أ.د . عبدالله بن علي التمام 

كاتب متعاون

مع بداية كل إجازة تتكرر الأسئلة ذاتها: كيف نقضي أوقات أبنائنا؟ وهل نتركهم ليستمتعوا بالإجازة كما يشاؤون، أم نملأ أيامهم بالبرامج والأنشطة؟ ولعل الإجابة تصبح أكثر وضوحًا عندما ننظر إلى الإجازة بمنظار التاريخ، لا بمنظار الحاضر فقط.

فالإجازة ليست مفهومًا حديثًا، وإن اختلفت أشكالها وأسماؤها عبر العصور. وقد أدركت المجتمعات منذ زمن بعيد أن الفترات التي تخف فيها الالتزامات اليومية تمثل فرصة ثمينة لبناء الإنسان، وتنمية قدراته، وإعداده لمستقبله.

في الحضارة الإسلامية، لم تكن الإجازات مواسم للكسل أو الفراغ، بل كانت ميادين للتعلم والتزود بالمعرفة. فكثير من الطلاب كانوا يغتنمونها لحفظ القرآن الكريم، وملازمة العلماء، والرحلة في طلب العلم، وهي الرحلات التي أسهمت في تكوين عدد كبير من علماء الأمة. كما كان الأبناء يشاركون أسرهم في التجارة والزراعة والصناعة، فيتعلمون المسؤولية، ويكتسبون الخبرة، ويستشعرون قيمة العمل منذ الصغر.

وفي المجتمعات التقليدية عمومًا، كانت الإجازة فرصة لاكتساب المهارات الحياتية؛ من تعلم الحرف، ومساعدة الأسرة، والمشاركة في الأنشطة الاجتماعية، وهي خبرات أسهمت في بناء الشخصية بقدر ما أسهم التعليم النظامي في بناء المعرفة.

أما اليوم، فقد تبدلت البيئة التي يعيش فيها الأبناء. فوسائل الترفيه أصبحت متاحة على مدار الساعة، والشاشات الذكية والألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي أصبحت تنافس الأسرة والمدرسة في استهلاك وقت الأبناء واهتمامهم. وهذا التحول لا يدعونا إلى رفض التقنية، فهي أصبحت جزءًا من حياتنا، بل يدعونا إلى حسن توظيفها، بحيث تكون وسيلة للتعلم والإبداع، لا مجرد أداة لتمضية الوقت.

ولذلك فإن نجاح الإجازة لا يقاس بعدد الرحلات أو كثرة البرامج، كما لا يقاس بطول ساعات الراحة، وإنما يقاس بالأثر الذي تتركه في شخصية الابن. فهل خرج من الإجازة بمهارة جديدة؟ وهل اكتسب عادة نافعة؟ وهل قرأ كتابًا؟ أو مارس رياضة؟ أو شارك في عمل تطوعي؟ أو تعلم لغة؟ أو اقترب أكثر من أسرته؟ تلك هي الأسئلة التي تستحق أن تُطرح عند نهاية كل إجازة.

ويقع على عاتق الأسرة الدور الأكبر في صناعة هذا التوازن؛ فلا ينبغي أن تتحول الإجازة إلى جدول مزدحم يفقد الأبناء متعة الراحة، ولا إلى فراغ مفتوح تبتلعهم فيه الشاشات. بل المطلوب هو إجازة متوازنة تجمع بين الترفيه، والتعلم، والرياضة، والعبادة، وصلة الرحم، واكتشاف المواهب، وإتاحة مساحة يختار فيها الأبناء ما يميلون إليه تحت توجيهٍ حكيم.

كما أن المؤسسات التعليمية، والأندية، والجمعيات، والجهات الثقافية والرياضية، مطالبة بتقديم برامج نوعية تستثمر طاقات الشباب، وتلبي احتياجاتهم، وتساعدهم على اكتشاف قدراتهم، لأن الاستثمار الحقيقي في الإجازة هو استثمار في الإنسان.

إن الإجازة تمضي سريعًا، لكن آثارها قد تبقى سنوات طويلة. والطفل الذي يتعلم اليوم مهارة، أو يقرأ كتابًا، أو يخوض تجربة تطوعية، أو يتحمل مسؤولية، قد يكون غدًا قائدًا أو عالمًا أو رائد أعمال أو مواطنًا أكثر وعيًا وإنتاجًا.

ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس: كيف نقضي الإجازة؟ بل: ماذا نريد أن يبقى من الإجازة في نفوس أبنائنا بعد أن تنتهي؟ فالإجازات تنقضي، أما ما تبنيه في الإنسان فقد يرافقه مدى الحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com