أنت وبينك الهواء

المدينة المنورة ✍️ سمير منصور الفرشوطي
هل شعرت يومًا أن بينك وبين الهواء مسافة
رغم أنه يُحيط بك، يتغلغل في صدرك، ويمنحك الحياة لكنه بات اليوم غريبًا، صامتًا، لا نلتفت له كما ينبغي.
الهواء ذاك العنصر الذي نعيشه أكثر مما نراه، ونحتاجه أكثر مما نفكر فيه. كان يومًا لذة، نسيمًا عليلًا يلامس أرواحنا قبل وجوهنا، يروي صدور الأجداد في لحظات الصمت، ويصاحب خطواتهم في الحقول والجبال. كان يحمل نكهة الأرض، ودفء البدايات. أما اليوم، فقد تاه في ضجيج الحياة، وسط الزحام، خلف نوافذ مغلقة، وبين أزمات لا تنتهي.
لم نعد نشعر بالهواء كما كنا. تلوث، صخب، تسارع، وانشغال دائم وكأننا أصبحنا نستنشق الحياة بلا وعي، بلا إدراك لجمال ما يمر بين رئتينا كل لحظة.
لو استطاع الهواء أن يتحدث… لحدّثنا عن أحلام العابرين، عن أصوات الأئمة في مساجد العصور، عن صيحات الحروب ودموع السلام، عن قصص كانت تدور في الأزقة والبيوت، عن حضارات بادت، وأمنيات ما زالت عالقة في صدور الناس.
الهواء ليس مجرد غاز، بل ذاكرة. يطوف بين القارات، يعرف أسرار المدن القديمة، ويحتفظ بعطر من رحلوا. لا تراه لكنه شاهد صادق، وسجلّ لا ينسى.
أحيانًا أتمنى أن أتحدث معه لا لأنني أبحث عن إجابات، بل لأنني أشعر أن الهواء وحده يفهم ما لا يُقال.
في زمن طغت فيه الشاشات على السماء، والمباني على الأشجار، لعلنا بحاجة إلى لحظة صمت نغلق فيها كل شيء، ونفتح فقط نافذة، ونستقبل الهواء. ربما نجد فيه ما فقدناه في أنفسنا





