النقد والتنمر بقصد التدمير.. حين يتحول الرأي إلى أداة إيذاء


بقلم: أحمد الثقفي


في المجتمعات الواعية يمثل النقد أحد أهم أدوات التطوير والبناء، فهو مرآة تكشف مواطن الخلل، وجسر يعبر بالإنسان والمؤسسات من مرحلة إلى مرحلة أكثر نضجًا ونجاحًا. غير أن النقد يفقد قيمته ورسالته النبيلة عندما يتحول من وسيلة للإصلاح إلى وسيلة للإساءة، ومن رغبة في التقويم إلى رغبة في الهدم والتشويه.
هناك فرق كبير بين النقد والتنمر، وإن حاول البعض الخلط بينهما. فالنقد الحقيقي يركز على الفكرة أو السلوك أو العمل، بينما يستهدف التنمر الشخص ذاته. الناقد يبحث عن الحلول، أما المتنمر فيبحث عن الجراح. الناقد يقدم ملاحظاته بموضوعية واحترام، أما المتنمر فيختبئ خلف السخرية والتجريح والانتقاص.
وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت المسافات أقصر بين الناس، لكن بعض النفوس وجدت في هذه المنصات فرصة لممارسة أشكال جديدة من التنمر المقنع تحت شعار “حرية الرأي” أو “النقد الصريح”. فنرى من يتعمد التقليل من إنجاز الآخرين، أو السخرية من نجاحاتهم، أو تتبع أخطائهم الصغيرة وتضخيمها، ليس بهدف الإصلاح، وإنما بهدف تحطيم الثقة بالنفس وإضعاف الحضور الاجتماعي أو المهني للآخرين.
إن أخطر أنواع التنمر هو ذلك الذي يرتدي ثوب النقد. فهو لا يظهر بصورة مباشرة، بل يأتي في عبارات تبدو للوهلة الأولى موضوعية، بينما تحمل بين سطورها رغبة واضحة في التشويه والإقصاء وإسقاط الآخرين. وقد يكون أثر هذا النوع من التنمر أشد من التنمر التقليدي؛ لأنه يختلط على الناس ويصعب كشف دوافعه الحقيقية.
وللأسف فإن بعض الناجحين والمبدعين والمتميزين هم أكثر الفئات تعرضًا لهذا السلوك. فكل نجاح يلفت الأنظار، وكل إنجاز يثير الإعجاب لدى البعض ويوقظ الغيرة لدى آخرين. وعندما يعجز بعض الأشخاص عن مجاراة النجاح أو تحقيق إنجاز مماثل، يلجؤون إلى محاولة التقليل من قيمة المنجز نفسه أو التشكيك في صاحبه.
لكن التاريخ يعلمنا أن أصحاب الرسالات والإنجازات الكبرى لم يسلموا من النقد الجائر ولا من حملات التشويه. فالاختلاف سنة كونية، والنجاح غالبًا ما يجذب المؤيدين والمنتقدين على حد سواء. غير أن الفرق الحقيقي يكمن في القدرة على التمييز بين النقد الذي يبني والنقد الذي يهدم، وبين النصيحة الصادقة والتنمر المتخفي.
إن المجتمع بحاجة إلى ترسيخ ثقافة الحوار الراقي، واحترام الاختلاف، وتقبل وجهات النظر المتعددة دون إساءة أو تجريح. كما أن المؤسسات التعليمية والإعلامية مطالبة بتعزيز الوعي بمخاطر التنمر اللفظي والنفسي، وبيان آثاره السلبية على الأفراد والمجتمعات.
ويبقى السؤال المهم: هل ما نقوله للآخرين يضيف لهم شيئًا أم ينتقص منهم؟ هل نسعى إلى الإصلاح أم إلى الإيذاء؟ فالكلمة مسؤولية، وقد تبني إنسانًا أو تهدمه، وقد تزرع الأمل أو تترك جرحًا لا يندمل.
ولهذا فإن النقد الحقيقي رسالة أخلاقية قبل أن يكون رأيًا، أما التنمر بقصد التدمير فليس نقدًا مهما تجمل بالألفاظ أو اختبأ خلف الشعارات. وسيظل الفرق بينهما واضحًا: فالأول يصنع النجاح، والثاني يحاول اغتياله.





