التحول الرقمي لصحيفة “الرياض”: وداع الورق ورهانات المستقبل


تحقيق – هبة حجاب
في صباح الـ 24 من أغسطس، أسدل الستار على واحد من أعرق المشاريع الصحفية السعودية، باعلان توقف صحيفة “الرياض” نسختها الورقية بعد رحلة امتدت 61 عاماً، القرار الذي أعلنته المؤسسة لم يكن مفاجئاً بامتياز، لكنه أيقظ مشاعر دفينة لدى قرّاء وصحفيين عاصروا المجد الورقي للجريدة التي كانت لعقود، العنوان الأبرز في المشهد الإعلامي المحلي.
لكن السؤال الأكبر الذي يطرح نفسه اليوم: هل ينجح التحول الرقمي في إنقاذ “الرياض” من مصير مماثل لما حلّ بنظيراتها عالمياً، أم أن تحديات المحتوى والثقة والإعلانات ستطارد هويتها الإلكترونية أيضاً؟ وما الذي يخسره الوطن عندما تغادر إحدى أهم ذاكرته الصحفية ساحة الورق؟
وداع الورق بين الحسرة والتأمل


كتب سليمان العصيمي، رئيس التحرير السابق، مقالاً بعنوان “وداعاً يا قطعة من قلبي”، واصفاً “الرياض” بأنها بيته ومدرسته، وعلّق نايف الحربي قائلاً أن المقال “يختزل مشاعر جيل عاش مع الصحافة الورقية”.
وأضاف علي الغفيلي- مذيع -“اليوم تُسدل النسخة الورقية ستارها، وتُطوى معها صفحة عزيزة من مسيرتي وذاكرتي.. أروقة الجريدة، رائحة الحبر والورق، رهبة الخطوات الأولى.”
واستطرد الدكتور فهد الحارثي : “ما يُطوى اليوم ليس ورقاً فحسب، بل شيء من عمرنا وصفحات من سيرتنا.”
وفي المقابل، رأى الدكتور فايز الشهري أن الروح التي كُتبت بها الصفحات لن تموت، وستبقى “مطبوعة في الوجدان بحبر لا يبهت”.
تصرحات مليئة بالمشاعر والحنين التي تؤكد على أن رحيل “الرياض” الورقية خسارة رمزية للذاكرة الوطنية، الورق هنا ليس وسيلة نقل خبر، بل حاضن للهوية، لكن ثمة فارقاً بين من يرى في الذاكرة عزاءً كافياً، ومن يشعر بفقدان لا يعوّض.


قراءة واقعية للقرار
كتب خالد العريفي – المدير العام لمؤسسة اليمامة -“الـ 24 من أغسطس ليس يوماً حزيناً، وليس قصة نجاح، إنه يوم قرار.. قرار تأخر ربما لأربع سنوات، حين تغيرت صناعة الإعلام، وتغير القارئ، وتغير الإعلان.”
واعترف الكاتب عبدالله الغدامي “لا أظنني مؤهلاً لاستنكار اختفاء ‘الرياض’ الورقية لأنني لم ألمس ورقها منذ سنوات.. أنا واحد ممن خانوها.”
تكشف هذه التصرحات فجوة بين الحنين العاطفي والسلوك الاستهلاكي الفعلي فالقراء كانوا قد هجروه فعلاً، القرار لم يكن تراجيديا، بل استجابة لواقع لا يقبل الجدل.
التحول الرقمي.. أكثر من مجرد نسخة إلكترونية
كتب خالد المطرفي -صحفي- “مغادرة ‘الرياض’ المطبوعة لا تعني مجرد تغيير وسيط، بل مغادرة منطق الورق نفسه، المستقبل تصنعه مؤسسة تحوّل مصداقيتها وأرشيفها إلى معرفة حية وعلاقة مباشرة بالقارئ.”
وأشار أيمن السعيدي إلى أن “الرهان على المحتوى والصحفي والذكاء الاصطناعي”.
وطرح إبراهيم الهلالي رؤية عملية متسائلا “لماذا لا تتحول الرياض إلى منصة تنتج بودكاست، ومحتوى فيديو، وتستثمر أرشيف 60 عاماً، وتستقطب جيلاً جديداً؟”
تتفق التصريحات على أن التحول الحقيقي لا يُختزل في نقل المحتوى من ورق إلى شاشة، بل هو إعادة هيكلة للمؤسسة: في أدواتها، وعلاقتها بالجمهور، ومصادرها، لكن ثمة تحدياً: هل تملك المؤسسة الجرأة لخوض هذا التحول الجذري، أم ستكتفي بتحسين الواجهة الرقمية مع إبقاء منطق الورق؟
“الفقر الصحفي”.. الخطر الأكبر
يقول سعد البازعي – باحث -“غياب النسخة الورقية تطور مؤسف، لكن السبب ليس ضعف المبيعات فقط، بل الفقر الصحفي من غياب السبق، والتحقيق، والشجاعة الصحفية.. وهذا الفقر قادر على القضاء على الإلكترونية أيضاً.”
وأكد عبدالسلام الوايل أن “إعلان التوقف اعتراف بموت دمغة سعودية لصناعة التأثير، ولن يعيد الحيوية إلا صحافة حقيقية تقوم بالاستقصاء وتطرح الآراء”.
المفارقة هنا أن “الرياض” لم تُقتل بالرقم، بل بالتراجع النوعي في محتواها النقد ركز على التآكل الداخلي، وما لم تُعالَج هذه الأزمة، ستنتقل من الورق إلى الشاشة.
ختاما.. إن إسدال الستار على نسخة “الرياض” الورقية ليس نهاية الطريق، بل ربما يكون لحظة فارقة لإعادة تعريف الصحافة في المملكة، فبقدر ما يحمل القرار من حزن واستذكار، فإنه يحمل في طياته دعوة صريحة لتطوير الخطاب الإعلامي، وتجويد المضمون، وبناء علاقة جديدة مع القارئ الرقمي الذي بات يبحث عن العمق، لا مجرد الخبر العابر.
ومع إغلاق باب المطبعة، تبقى النافذة مفتوحة على سؤال المصير: هل تنجح “الرياض” الإلكترونية في حفظ إرثها، أم أن التاريخ الورقي سيصبح – كما قال البعض – مجرد تحفة في أروقة المتاحف، بينما يبحث القارئ عن بديل أكثر جرأة ومصداقية؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة.







