الثقافة… أرقى مراتب التقدّم وأصدق مقاييس الإنسان

✍🏻 نورة العتيبي
في زمن تتسارع فيه الابتكارات ويتضخم فيه الإنتاج المعرفي، قد يظن البعض أن التقدّم مرهون بالتكنولوجيا وحدها، أو أن المجتمعات تُقاس بما تنتجه من علوم مادية فقط. لكن الحقيقة التي لا تغيب عن وعي المثقفين، أن الثقافة هي المعيار الأصدق لرقيّ الإنسان، وهي الميزان الحقيقي الذي تُوزن به الأمم.
فالعالِم — مهما بلغت أبحاثه — إن خلا من الثقافة، أصبح في نظر أهل الفكر مجرد ناقل للمعرفة، لا حامل لرسالتها ولا مشعل لنورها.
كثيرًا ما يُخلط بين مفهوم “العلم” و”الثقافة”، مع أن الفارق بينهما واسع وعميق.
فالعلم – في جوهره – بحيرة محدودة الموارد، له ضفاف ووجهة. أما الثقافة، فهي كالمحيط، لا ساحل له، ولا نهاية تُدرك.
فيها تلتقي العلوم، وتتشكل القيم، وتُصاغ الرؤى، وتنبثق عن الإنسان أفكاره ومواقفه وسلوكه.
لكن رغم هذا الاتساع، يظل نصيب الإنسان من هذا المحيط قليلًا. يولد ويموت، ولم ينهل منه إلا بعض قطرات… والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: كيف يحصل الإنسان على هذا القليل الثمين؟.
الجواب يبدأ حين تصبح الثقافة جزءًا فاعلًا في حياة الفرد، لا ترفًا مؤجلًا ولا هواية هامشية.
حين تُصبح القراءة عادة، والتفكير النقدي ممارسة، والذائقة الجمالية حاضرة في تفاصيل الحياة.
وهنا، نواجه مشكلة حقيقية في زمننا هذا، خصوصًا مع الجيل الجديد، الذي يجد نفسه محاطًا بفيض من المحتوى الرقمي، لكنه يفتقر إلى المصادر الثقافية الرصينة.
ما يُقدم اليوم على كثير من القنوات والمنصات والتطبيقات، لا يُعد ثقافةً بالمعنى العميق، بل يُعد — للأسف — إسفافًا مغلفًا بالمتعة، وسطحيًا مموهًا بلغة التأثير.
فهل يُعقل أن تكون برامج التواصل الاجتماعي هي المصدر الأول للثقافة؟
هل المقاطع السريعة التي تُعرض في الأجهزة المحمولة، وتُستهلك خلال ثوانٍ، تُغذي العقل فعلاً؟
أم أنها مجرد محتوى عابر، يُخدر الحواس، ويُشوّش البصيرة؟
المشهد أكثر خطورة عندما تُصدّر هذه المنصات “مشاهير” إلى الواجهة، ويُزجّ بهم في المشهد الثقافي، فيُلقّبون بالملهمين والرموز الفكرية، مع أن جلّ ما يقدمونه لا يتعدى نصوصًا محفوظة، ومقاطع ممنتجة، ومؤثرات صوتية وبصرية… تُباع للناس على أنها ثقافة.
إننا نعيش لحظة تحتاج إلى وقفة حقيقية، نُراجع خلالها خياراتنا كمجتمع:
من أين نأخذ ثقافتنا؟
وعلى من نُصغي؟
ومن نمنحهم حق التأثير على عقولنا وعقول أبنائنا؟
الثقافة ليست رفاهية فكرية، بل هي اللبنة الأولى في بناء الإنسان الحقيقي.
فمن لا يملك وعيًا ثقافيًا، يسهل أن يُضلَّل، مهما بلغ من شهادات أو مناصب.
والأخطر من الجهل، هو تزوير رموز المعرفة، وتقديم السراب في هيئة نبع.
لذا، فالحفاظ على جوهر الثقافة، وإعادة الاعتبار للمثقف الحقيقي، لم تعد ترفًا… بل ضرورة مجتمعية لا تحتمل التأجيل.