الدكتور أحمد عبدالغني الثقفي مقالات وآراء

القراءة في المجتمع السعودي: من المبادرات إلى صناعة الوعي

بقلم / الدكتور أحمد الثقفي

لم تعد القراءة في المجتمع السعودي مجرد نشاط ثقافي تقليدي، بل أصبحت محورًا أساسيًا في بناء الإنسان، وركيزة من ركائز التحول المعرفي الذي تشهده المملكة. في ظل التغيرات المتسارعة، والتدفق الهائل للمعلومات، لم يعد التحدي في الوصول إلى المعرفة، بل في القدرة على استيعابها، وتحليلها، وتوظيفها بوعي وإدراك.

شهدت السنوات الأخيرة حراكًا ملحوظًا في تعزيز ثقافة القراءة، تقوده مؤسسات ثقافية وتعليمية، وتدعمه فعاليات كبرى مثل معرض الرياض الدولي للكتاب، الذي تحول من مجرد سوق للكتاب إلى منصة فكرية تجمع القراء والمثقفين والناشرين في حوار معرفي مفتوح. هذا الحراك يعكس إدراكًا متزايدًا بأهمية القراءة كأداة لبناء الوعي، وتعزيز التفكير النقدي، وتوسيع المدارك.

غير أن القراءة في العصر الرقمي تواجه تحديات حقيقية، أبرزها تراجع التركيز، وسرعة الاستهلاك المعرفي، وهيمنة المحتوى السريع على حساب المحتوى العميق. فالأجيال الجديدة تعيش في بيئة رقمية تفضل الاختصار، وتمنح الأولوية للمعلومة السريعة، مما يضع القراءة التقليدية أمام اختبار صعب. هنا تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم القراءة، لتشمل أشكالًا جديدة، مثل الكتب الصوتية، والمقالات الرقمية، والمنصات التفاعلية.

إن تحويل القراءة إلى عادة يومية يتطلب جهدًا تكامليًا، يبدأ من الأسرة، ويمر بالمدرسة، وينتهي بالمجتمع. فالطفل الذي ينشأ في بيئة تُقدّر الكتاب، وتمنحه مساحة للاكتشاف، يصبح قارئًا بطبيعته، لا بتكليف. كما أن إدماج القراءة في المناهج التعليمية، بأساليب تفاعلية، يعزز من ارتباط الطالب بالمعرفة، ويجعله شريكًا في عملية التعلم.

الإعلام بدوره يتحمل مسؤولية كبيرة في هذا التحول، من خلال تقديم محتوى يشجع على القراءة، ويُبرز قيمتها، ويُسلط الضوء على النماذج الملهمة. فالمجتمع يتأثر بما يُعرض عليه، وإذا كانت القراءة حاضرة في الخطاب الإعلامي، فإنها تصبح جزءًا من الثقافة العامة.

ولا يمكن إغفال دور المبادرات المجتمعية، مثل نوادي القراءة، والمكتبات العامة، والمقاهي الثقافية، التي تخلق بيئة محفزة، وتحوّل القراءة من نشاط فردي إلى تجربة جماعية. هذه المبادرات تسهم في بناء مجتمع قارئ، يتشارك المعرفة، ويتفاعل معها.

في المقابل، تفتح التقنية آفاقًا واسعة لتعزيز القراءة، من خلال التطبيقات الذكية، والمنصات الرقمية، التي تتيح الوصول إلى آلاف الكتب بضغطة زر. كما أن استخدام الذكاء الاصطناعي في توصية الكتب، وتحليل اهتمامات القراء، يسهم في تخصيص التجربة القرائية، وجعلها أكثر جذبًا وملاءمة.

إن القراءة ليست ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة حضارية. هي التي تصنع الوعي، وتبني الإنسان، وتمنح المجتمع القدرة على التقدم. والمملكة، وهي تمضي في مسارها التنموي، تدرك أن الاستثمار في الإنسان يبدأ من الكلمة، وأن الكتاب لا يزال، رغم كل التحولات، أحد أهم مفاتيح المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com