يرى علم النفس : أن كلَّ سلوكٍ إنما ینْبثقُ من قیمةٍ تدفعُ إليه؛ فالقيمةُ هنا هي الأُسُّ والمحركُ،والمنظمُ للسلوك؛ و القيمُ : مجموعة الأفكار والمبادئ التي يحملها الإنسان في داخله ، عن الخير والشر، والجيد والسيئ .. وما هو الصح وما هو الخطأ ؛ وهي: تلك العادات ، و الأخلاقيات و المبادئ التي نستخدمها ، ونمارسها في الكثير من تفاصيل حياتنا اليومية ؛ ومجموعة من الأحكام العقلية التي تقوم بالعمل على توجيهنا نحو رغباتنا ، و اتجاهاتنا و التي تكون نتيجة لاكتساب الفرد من المجتمع المتعايش به ، و هي تعمل على تحريك سلوكياته . فإذا كانت القيم هي محرك السلوك ، والمسؤولة عنه، “فالسلوك هو الفعل الذي يقوم به الشخص لغرض معين، أو هو ردّ الفعل الذي يحدث استجابةً لمحفزاتٍ مختلفة، والسلوك له تأثير واضح على البيئة أو العالم الخارجي الذي يحيط بالشخص” فالقيم تتحكم في المشاعر والأفكار، وهي مسؤولة عن السلوكيات التي تنبعث، وهذه السلوكيات تحدد إنجازات الشخص؛ فالقيم هي” أشياء غير ملموسة لا يمكن رؤيتها أو تقييمها، ولكن يمكن ملاحظة السلوك وتقييمه.” من الأقوال المأثورة التي تعبر عن الإنسانية كقيمة : “إذا أردت أن تفهم قيمة الإنسانية، فانظر إلى القلوب وليس إلى الأموال.” والفرد في المجتمع يشكّل بنية أساسية في البناء الاجتماعي ، فاندماجه في مجتمعه ، وذوبانه في جمهورها يتخذ منحى الجماعة ، فتفرض عليه قيمها ، وتقوده خلف ركب اتجاهاتها . إلا إن الجماهير سريعة في انفعالاتها، متضخمة في عواطفها ، فتسيطر عليها شخصية اللاوعي . “والأفعال تكون تابعة للاوعي الذي راح يحلل ولا يقارن بين الأمور.” “فمن الخصائص النفسية للجماهير: تلاشِي الشخصية الواعية، وهَيْمَنَة الشخصية اللاواعية”. ومثلما يرى جوستاف لوبون :”أن الجماهير ‘الدهماء’ لا تعقل،كما أنها تتسم بالعاطفة مع الغباء” فالجماهير وفق علم الاجتماع ” تميل إلى التصرّف اللاعقلاني والانجراف وراء العاطفة. في حالة الجماهير، تختفي الهويات الفردية، ويذوب الضمير الشخصي في وعي جماعي انفعالي. هذه الحالة تجعل من الصعب على القيم أن تبقى مرجعية للفرد داخل الحشد. وتشير نظريات حديثة (مثل تيرنر ومواطنوه) إلى أن “الجماهير ليست دائماً فوضوية، بل يمكن أن تعبّر عن أشكال من التضامن الأخلاقي، ولكن بشرط وجود قيادة ذات مرجعية قيمية واضحة.” إذ إن”الجماهير مهما كانت ثقافتها أو عقيدتها أو مكانتها الاجتماعية، بحاجة إلى خضوعها تحت قيادة محركة.” المنظور الديني : القيم كالصبر، والعدل، والحق، لا تُقاس بعدد من يؤمن بها، بل بثبات من يصبر عليها. وهذا ما يُجسّده موقف الأنبياء، الذين غالباً ما وقفوا في وجه الجماهير، لا معهم: “فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ” (يونس: 73) “وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ” (سبأ: 13) فالفلسفة الدينية لا تُعلي الكثرة، بل تُعلي الصدق والثبات حتى في العزلة. يذهب مارتن هيدغر إلى أن الإنسان يعيش غالباً في حالة “اللا-أصالة” عندما يتماهى مع “الهمّ الجمعي” (das Man). فحين يُصبح الفرد مجرد تكرار لصوت الجماعة، يتنازل عن “كينونته الخاصة”، ويتحوّل إلى ما يُقال، وما يُفعل، وما يُنتظر منه. فالقيم لا تُمارس انطلاقًا من وعي ، بل طقوس اجتماعية، فتضعف الأخلاقي -أحياناً-. فالقيمة ذات فاعلية في استجابة الجماهير للأحداث والقضايا الاجتماعية المتنوعة. كماإن قيم المجتمع الواحد توّحد الجماهير وتسهم في تقويتها وتكاتفها. ومن أمثلة تلك الجماهيرية التي تعزز القيم ، وتوّحدها: الأمراض والأوبئة ، والكوارث كالزلازل والسيول والفيضانات والأعاصير ، والانتخابات ، وغيرها من الجماهيرية التي تعضد ها وتقوي من ترسيخها . وهنا يأتي دور الإعلام بكافة روافده في توجيه الجماهير ، وبث روح الحماس فيها ، ونشر القيم المستهدفة. القيم اجتماعية لافردية ، والجماهيرية طارئة لا مستديمة ، يصنعها فعل ، ويقودها فرد أوجماعة ، لتحقيق غاية ، أوصناعة نظام ، أوتعديل توجه ، أو تآ لف مع حدث. وسرعان ما ينبري الفرد للجماعة ، عندما ينتهي دور الجماهير ، فيمارس دوره ، ويتلبس قيمه ، لإرضاء الجماعة ، وعدم الخروج عليها التي قد تنبذه. إلا إنه مع العولمة ، وانخفاض القيم في بعض المجتمعات ، وسيطرة الإعلام ووسائل التواصل ، أفضى الأمر إلى ضعف التكوين الاجتماعي القيمي ، وأصبحت – غالباً – الجماهيرية عالمية ، تعاطفاً ، وتوجها ، وإن لم تكن مشاركة عملية. أخيراً: جون ديوي:يرى أن القيم هي” أدوات للتكيف مع البيئة، وهي نسبية ومتغيرة حسب الزمان والمكان. أكد على أهمية التجربة والممارسة في تحديد القيم.”