مقالات وآراء

باي باي

المدينة المنورة – الفرشوطي

نستيقظ كل صباح لنواجه يوماً جديداً مليئاً بالصراعات. في بيوتنا، تتعالى الأصوات بين الزوجين، تُكسر الصحون، وتُغلق الأبواب بعنف. في العمل، تتصارع الطموحات والمصالح، ويطعن الزميل زميله في ظهره ليعتلي منصباً أعلى. بين الإخوة، تتحول الميراث والأملاك إلى ساحات حرب تقطع أواصر الدم. وبين الأصدقاء، تتحول السنوات من الود إلى ذكريات باهتة بسبب كلمة قيلت في لحظة غضب.

لكن توقف للحظة وتأمل: كم ستعيش؟ سبعين عاماً؟ ثمانين؟ تسعين إن كنت محظوظاً؟
ثم ماذا؟
“باي باي”… كلمة صغيرة ستقال عند قبرك، وستنتهي كل تلك الصراعات التي استهلكت قلبك وعقلك وروحك. ستنتهي تلك المشادات الكلامية التي حفظتها وأعدت تشغيلها في رأسك مئات المرات. سينتهي ذلك الزعل الذي جعلك تقطع التواصل مع أخيك لسنوات. ستنتهي تلك الشتائم التي لوثت لسانك وأفسدت قلبك.
نقضي أيامنا في صراعات لا طائل منها، نبني جدراناً من الكراهية والحقد، نتقن فن الهجوم والدفاع والإيذاء، ثم ننسى أن الموت لا يعترف بانتصاراتنا الوهمية. لا يهتم بمن كان على حق ومن كان على باطل.
تخيل للحظة أنك علمت أن لديك أسبوعاً واحداً فقط للعيش… هل ستقضيه في تصفية حساباتك مع الآخرين؟ أم ستسارع لاحتضان من تحب، حتى أولئك الذين أغضبوك يوماً ما؟
قد نخسر سنوات من حياتنا في صراعات تافهة، ثم نكتشف متأخراً أن الحياة أقصر مما نتخيل. نكتشف أن تلك اللحظات التي أهدرناها في الغضب والكراهية كان يمكن أن تكون لحظات من الحب والفرح.
معظم صراعاتنا تنبع من الأنا المتضخمة، من الخوف، من سوء الفهم، من عدم القدرة على التواصل بشكل سليم. نحن لا نقاتل الآخرين فقط، بل نقاتل أنفسنا أيضاً في كل مرة نختار فيها الكراهية بدلاً من التسامح.
الحياة أقصر من أن نضيعها في الضغينة. فعندما تأتي لحظة النهاية، لن يهم كم معركة ربحت، بل سيهم كم قلباً أحببت وكم روحاً لمست بالخير.
قبل أن تقول “باي باي” للحياة، قل وداعاً للصراعات التي تثقل كاهلك. اختر أن تعيش بسلام، ليس مع الآخرين فحسب، بل مع نفسك أيضاً. لأنه في نهاية المطاف، عندما تخمد أنفاسك الأخيرة، ستدرك أن كل تلك المعارك لم تكن سوى سراب، وأن الحب وحده هو ما يبقى.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com