حين تُغلق الدائرة بمفتاح الطمأنينة


بقلم الكاتبة : ايمان المغربي – جدة
على مدى ثلاثين عام في التعليم لم تكن الأيام تمر كأيام عمل عادية بل كانت تتشكل من مواقف وتجارب وعلاقات إنسانية صنعت جزء كبير من حياتي.
لذلك لم يكن التعليم بالنسبة لي مجرد مهنة بل رحلة امتدت لسنوات طويلة وتركت أثرها في داخلي قبل أن أترك أثري فيها.
ومع انشغالي بالعمل وتعاقب السنوات لم تكن لحظة التقاعد تشغل تفكيري كثيراً.
كنت أعيش تفاصيل يومي ومسؤوليتي تجاه طالباتي حتى وجدت نفسي أمام محطة اختتمت فيها رحلة امتدت لثلاثة عقود من العمر.
جاء قرار التقاعد في منتصف العام الدراسي في وقت لم يكن من السهل عليّ أن أغادر قبل اكتمال العام.
لم يكن الأمر متعلق بالبقاء، بقدر ما كان مرتبط بشعور داخلي بأن ما بدأ لا ينبغي أن يتوقف في منتصفه.
لذلك طلبت التمديد حتى نهاية العام الدراسي.
كنت أرى أن هناك أمانات لا يصح أن تُسلَّم إلا بعد اكتمالها وأن بعض المسؤوليات لا تنتهي بصدور قرار، بل تنتهي حين تصل إلى خاتمتها الطبيعية.
ولعل من القناعات التي صاحبتني طوال سنوات عملي أن الإنسان قد يغيّر بعض آرائه مع اتساع التجربة ونضج الرؤية لكنه يحتاج إلى ثوابت يستند إليها في محطات حياته المختلفة.
أما أنا فأقول دائما ًإن لدي تناقضات لكن عندي ثوابت. ومن أهم تلك الثوابت شعوري بالمسؤولية تجاه ما أبدأه
وإيماني بأن بعض الأمانات لا يكتمل معناها إلا بإتمامها إلى نهايتها لذلك لم يكن طلبي للتمديد تمسكا
بالمنصب، بقدر ما كان تمسكا بمعنى الأمانة الذي رافقني طوال سنوات التعليم.
تقدمت بطلب التمديد وأنا أحمل ثقة بالله قبل كل شيء ثم إحساس داخلياً بأن الأمر سيُكتب له القبول.
وحتى لو لم يحدث ذلك فقد كانت قناعتي دائمًا أن الإنسان لا يخسر حين يحاول ففي قاموس حياتي عبارة أرددها كثيراً :
يكفيني شرف المحاولة.
ولطالما آمنت أن من حفظ الأمانة حفظه الله عز وجل، ومن صدق في مسؤوليته أحاطه الله جل في علاه برحمته وتوفيقه.
لذلك كنت أمضي مطمئنة، أبذل ما أستطيع وأترك النتائج لله سبحانه وتعالى مؤمنة أن رحمته أوسع من كل ما نرجوه.
وفي يوم تكريم المعلم وبينما كنت أعيش أجواء ذلك اليوم، سمعت نغمة رسالة نصية على هاتفي.
ولست ممن يحرصون على فتح الرسائل فور وصولها، لكن شيئًا في داخلي دفعني إلى قراءتها في تلك اللحظة تحديدًا.
فتحت الرسالة، وكانت الموافقة على التمديد.
توقفت للحظة، وشعرت وكأن ثلاثين عام من التعليم اجتمعت في ذلك المشهد فلم أقرأها كموافقة إدارية بل كلحظة وضعت نهاية المرحلة في موضعها الذي تمنيته لها.
لم أشعر يومها بالفرح لصدور الموافقة فقط بل بالطمأنينة.
طمأنينة أن ما حملته طوال تلك السنوات من مسؤولية لم ينقطع قبل تمامه، وأن الصفحة الأخيرة كُتبت في موضعها الصحيح.
وفي تلك اللحظة أدركت أكثر من أي وقت مضى أن رحمة الله تحيط بالإنسان بطرق لا يتوقعها فقد تأتي احياناً
في صورة كلمة، أو موقف، أو رسالة تصل في توقيتها تماماً فتمنح القلب طمأنينة لا تقدر بثمن.
في تلك التجربة أدركت أن بعض المراحل لا تكتمل بالوقت بل باكتمال معناها وأن الأمانة ليست مهمة تنتهي
بل مسؤولية تبقى حاضرة في ضمير الإنسان حتى يطمئن أنه أدى ما عليه وأن من صدق النية مع الله عز وجل أحاطه الله بفضله.
وما زلت كلما تذكرت تلك الموافقة التي جاءت في يوم تكريم المعلم أشعر أن الله أكرمني بخاتمة تليق بثلاثين
عام قضيتها في التعليم خاتمة منحتني القناعة والرضا قبل الفرح والطمأنينة قبل كل شيء.
فبعض الدوائر لا تُغلق حين ينتهي الوقت، بل حين يطمئن القلب أن ما عليه قد اكتمل





