مقالات وآراء

تأملات شابة في الثمانين

✍🏻 منيرا العتيبي / كاتبة سعودية 

كأنَّ الزمن، في لحظةِ غفلةٍ منه، نسيَ أن يقسِّمَ نفسه بالتساوي على أيامها.  

فسكبَ في وعاءِ جسدها الطريِّ كلَّ ما يُفترضُ أن يُرشَّ قطرةً قطرةً على عقودٍ طويلة:  

الصدماتُ كالسيوفِ المسنونة، الوداعاتُ كالريحِ التي تجفِّفُ الأنهار، الأسئلةُ التي لا تُجابُ إلا بعدَ أن تُدمي، والإجاباتُ التي تأتي متأخِّرةً فتصبحُ حكمةً.  

شكلها ما زال يحتفظُ بلمعانِ الفجرِ الأول،  

لكنَّ عينيها تحملانِ أفقاً قديماً، أفقاً رأى الشمسَ تغربُ مراتٍ أكثرَ ممّا يحصي التقويم.

هي ليست شابةً رغمَ التجارب،  

بل شابةٌ بسببها.  

لأنَّ الروحَ، حين تُجبرُ على عبورِ جبالِ الوجعِ في زمنٍ قصير، لا تكتفي بالنجاة؛  

تعيدُ تشكيلَ نفسها، وتصقلُها كجوهرةٍ تحتَ ضغطٍ لا يُطاق،  

حتى تصيرَ أكثرَ صفاءً وأقلَّ هشاشةً من كلِّ ما حولها.

في حضرةِ هذه الشابة، يشعرُ المرءُ أنَّه يقفُ أمامَ مرآةٍ مقلوبةٍ للزمن:  

الوجهُ يبتسمُ ابتسامةَ الشباب،  

والكلماتُ تنحدرُ كأنَّها من كهفٍ عميقٍ حفَرَته سنواتُ ثمانين.  

تسمعكَ تشتكي من خيبةٍ صغيرة،  

فتردُّ عليكِ بصمتٍ يحملُ وزنَ مئاتِ الخيبات،  

ثم تبتسمُ ابتسامةً رقيقةً تقولُ دونَ نطق:  

«مررتُ بها أيضاً… وما زلتُ هنا، أتنفَّس، أحبّ، أبدأُ من جديد.»

إنَّ شبابَها ليس براءةً ساذجة،  

بل هو انتصارٌ مكرَّرٌ على الانهيار.  

كلَّ مرةٍ كادتْ فيها أن تُطفأ، عادتْ فأوقدتْ نفسَها بيديها.  

كلَّ مرةٍ حاولَ اليأسُ أن يُثقِّلَ كتفيها، رفضتْ أن تحمِّلَ الثقلَ إلى الغد.  

فصارتْ خفيفةً، ليس لأنَّ الحياةَ رحمتها،  

بل لأنَّها قرَّرتْ أن تُلقيَ كلَّ ما لا يُستحقُّ حمله.

أجملُ ما فيها أنَّها لم تُحوِّلْ خبرتَها إلى درعٍ يُبعِدُ الناس،  

بل إلى جسرٍ يدعوهم للعبور.  

تنظرُ إليكَ فترى فيكَ نفسَكَ قبلَ أن تراهُ أنت،  

وتُحبُّكَ قبلَ أن تُحبَّ نفسَك،  

لأنَّها تعرفُ أنَّ كلَّ روحٍ، مهما كانت مُثقَلةً الآن،  

تحملُ في طيَّاتها إمكانَ أن تصيرَ يوماً… مثلها:  

شابةً جداً،  

وحكيمةً جداً،  

في آنٍ واحد.

وهكذا، في عينيها تلتقي بدايةُ الطريقِ ونهايته،  

دونَ أن يفقدَ أيٌّ منهما بريقَه.  

هذا هو الشبابُ الحقيقي:  

ليس عددَ السنينِ التي لم تمرَّ بعد،  

بل القدرةُ على أن تظلَّ تُزهرُ بعدَ أن عصفَ بكَ الخريفُ مراراً وتكراراً.

وتظلُّ تُزهر.  

وتزهر.  

وتزهر.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com