مقالات وآراء
ترند الآن

حوارٌ على بئر مدين

د. محمد أبواليزيد أبوالحسن

 

حوارٌ على بئر مدين

     قليلةٌ تلك الحوارات التاريخية التي لها ما بعدها؛ وكأنّ الحوار يقوم مقام  باب مدينة عجيبة؛ لا تفتر من التأمل في جمال صنعته ومصاريعه ومفاتيحه ومغاليقه وطوله وعرضه وتفاصيله؛ حتى يرسل لك رسالة إعجاب وتشويق لما وراءه الذي هو أعظم، تلك الحوارات التي تعكس لك عن أحقاف نفوس بشرية حُشيت أخلاقا وتزاحمت مكارمَ؛ تهتز لتلك الكلمات الحوارية وتطرب من الردود البلاغية، وتسافر إلى ذلك الزمن؛ تقف على جانب بعيد في صمت؛ لترقب تلك الأحداث وهؤلاء المتكلمين؛ وتصغي إليهم إذ يخترقون العصور إلى أذنك وعقلك؛ وودتُ لو أنك واحد منهم؛ ولعل المرء بكرم الله يؤجر على أعمال الخير التي رضي عنها حتى وإن لم يشهدها، لأنّه يأثم على أعمال الشر إن رضي عنها حتى وإن لم يشهدها. وها نحن مع موسى يفر هاربًا من فرعون؛ يترقب الطريق خائفًا، حتى يقف هناك على بئر مدين ليسمعنا حوارًا عظيمًا رغم إيجازه؛ يعكس لنا أخلاقه وأخلاق “بنات مدين”، لنقف على زاوية من زوايا قانون الحوار بين الرجل والمرأة.     

“فلما توجه تلقاء مدين“؛ كلمة “تلقاء” توحي بأن الوجهة  كانت محددة سلفا؛ فلم يتجه غربًا غرب مصر، أوجنوبًا إلى السودان، أو شمالا إلى البحر؛ فكل هذه الجهات لم تكن متفاعلة أو فاعلة في تلك الفترة بالشكل الذي يرتضيه موسى، وإنما كانت جهة الشرق هي الجهة التي يحكيها التاريخ العبراني والتاريخ الكنعاني وكل تاريخ الأمم السابقة الصالح منها والفاسد، وكانت “مدين” إحدى البلاد الباقية في التاريخ  ببقاء بعض المصلحين فيها بعد هلاك المفسدين؛ فتوجه إليها موسى عسى أن يلقى بقية باقية من هؤلاء المصلحين من قوم شعيب. وكانت دعوته :” عسى ربي أن يهديني سواء السبيل”؛ وهذا يعلمنا حسن التوكل على الله بالنية الصالحة في القلب؛ وحبذا التلفظ  بالدعاء في مثل تلك الحال وهو مهاجر؛ وتلك دعوة مادية؛ بأن الله يرشده إلى مدين ومن أقرب طريق لها، ودعوة معنوية بأن يهديه الله لأهل الهدى وأهل الصلاح؛ فلا يبتليه بغيرهم؛ كالذين تركهم وراءه من الفراعنة. 

الكاتب :

د. محمد أبواليزيد أبوالحسن

(الجزء الأول/ حوار على بئر مدين )

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com