الإعلامية : فايزة حامد الثبيتيمقالات وآراء

حين انتصر الصمت… وهُزِم الصوت فوق أربعةٍ وستين مربعاً

فايزة حامد الثبيتي

بقلم الكاتبة /فايزة حامد الثبيتي 

لوقت طويل، بدا عالم الشطرنج وكأنه محكوم بصوت واحد مرتفع: صوت غاري كاسباروف، اللاعب الذي عُدّ من أقوى من عرفته اللعبة. لم يقتصر تأثيره على النقلات والبطولات، بل امتد إلى آرائه الحادة تجاه النساء، إذ كان يرى أنهن لا ينتمين إلى أعلى مستويات الشطرنج، وأن قدراتهن الفكرية لا تضاهي قدرات الرجال في المنافسة.
كانت تلك التصريحات تُقال بثقة لاعب لا يُهزم، وتُستقبل بصمت بدا أحياناً كأنه اقتناع. لكن في مكان آخر، كانت امرأة تبني ردّها بهدوء، بعيداً عن الضجيج.

فلسفة صنعت التحدي
وُلدت جوديت بولغار في منزل غير تقليدي، تحت إشراف والدها لازلو بولغار، صاحب الفكرة المثيرة للجدل: «العباقرة يُصنعون ولا يولدون».
لم تُدرَّب جوديت لتكون أفضل لاعبة بين النساء، بل لتكون منافسة لأقوى اللاعبين عموماً. لذلك رفضت الاكتفاء ببطولات النساء، واختارت مواجهة نخبة الرجال، بطولة بعد أخرى، رغم السخرية والانتقادات التي وصفت تجربتها بأنها غير واقعية.

كانت تسير في طريق لم تسلكه امرأة قبلها؛ طريقٍ تحيط به الشكوك، لكنه قائم على الإصرار والانضباط والثقة بالقدرة على المنافسة.

المواجهة التي انتظرها العالم
في سبتمبر 2002، وخلال بطولة «روسيا ضد بقية العالم»، جلست بولغار أمام كاسباروف نفسه. لم تكن تلك مجرد مباراة، بل مواجهة محمّلة بتاريخ من التصريحات المتعالية والجدل والخصومة الصامتة.

على الرقعة، لم يكن للصخب مكان: لا جمهور، ولا كاميرات، ولا نقاشات. كان هناك 64 مربعاً فقط، وعقلان يتصارعان بصمت.

اللحظة التي غيّرت السردية
بعد ساعات من اللعب، أعلن كاسباروف استسلامه. وكانت تلك المرة الأولى التي يخسر فيها مباراة كلاسيكية أمام امرأة.

لم تحتج بولغار إلى رد صحفي، ولا إلى خطاب غاضب، ولا إلى مواجهة إعلامية. فقد كان ردّها على سنوات من التقليل حركةً واحدة لا يمكن الجدال بشأنها.

أثبتت تلك اللحظة أن الشطرنج يكافئ الموقف الأقوى، لا الصوت الأعلى.

رمزية الانتصار
لم يكن الحدث مجرد فوز رياضي، بل لحظة كسرت سردية كاملة حول قدرات النساء في المجالات الفكرية. فقد أثبتت بولغار أن الذكاء لا يعرف جنساً، وأن التفوق لا يُقاس بالتوقعات المسبقة، بل بالعمل والانضباط والموهبة.

غيّرت بولغار التاريخ لا بخطاب، بل بمصافحة هادئة فوق رقعة تُحفظ فيها كل حركة.

خلاصة
لم تهزم جوديت بولغار كاسباروف وحده، بل هزمت فكرة كاملة: هزمت الضجيج بالصمت، والشك بالإصرار، والتقليل بالإنجاز.
وبقيت قصتها شاهداً على أن بعض الانتصارات لا تحتاج إلى إعلان؛ يكفي أن تُفهم حين يمدّ الخصم يده مستسلماً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com