غياب القدوة وتأثيرها على الأخلاق


إعداد /خالد على راجح بركات


تعتبر نظرية التعلم الاجتماعي التي وضعها عالم النفس الكندي الأمريكي ألبرت باندورا في عام 1977 من أبرز النظريات في علم النفس، حيث تفسر كيف يتعلم الإنسان السلوكيات والمهارات والأفكار الجديدة من خلال مراقبة وتقليد الآخرين، وليس فقط من خلال الخبرة المباشرة أو التعزيز السلوكي التقليدي. وقد أثبت باندورا أن الإنسان كائن مفكر يمكنه اكتساب سلوك جديد لمجرد مراقبة نموذج معين في بيئته ورؤية النتائج المرتبطة بأفعاله.
في السياق المجتمعي، تلعب القدوة دورًا حيويًا في تشكيل القيم والسلوكيات. فالشخصيات العامة، سواء كانوا سياسيين أو فنانين أو رياضيين، يمثلون نماذج يحتذى بها، ويؤثرون بشكل مباشر على الجمهور، خاصة الشباب. ومع ذلك، يبقى الأمر مرهونًا بأخلاق هؤلاء القدوات. فمهما كانت شهرتهم أو نجاحاتهم أو مناصبهم، فإن غياب الأخلاق سيؤدي إلى انتفاء فاعليتهم كقدوة.
يقع على عاتق المجتمع مسؤولية كبيرة في توعية الشباب حول أهمية الأخلاق في تقييم القدوات. فعندما يتم رفع نماذج سيئة إلى مرتبة القدوة دون فحص دقيق لأخلاقهم وسلوكياتهم، يؤدي ذلك إلى تشويه القيم التي يجب أن تُزرع في نفوس الأجيال الجديدة. الشباب في مرحلة يبحثون فيها عن الهوية والانتماء، قد يتجهون نحو هذه النماذج الممجدة، معتقدين أنهم يمثلون النجاح والتقدم، مما قد يساهم في تعزيز سلوكيات غير أخلاقية.
إن القوة الحقيقية لأي قدوة تكمن في ممارستها لقيم أخلاقية متينة. القدوة التي تفتقر إلى النزاهة أو التعاطف أو المسؤولية تؤدي إلى انحدار القيم في المجتمع، وتؤثر سلبًا على تصورات الشباب للسلوك الحسن. لذلك، من الضروري تعزيز التفكير النقدي لدى الأجيال الجديدة، بحيث يتمكنون من رؤية ما وراء المظاهر، ويفهمون أن النجاح الحقيقي لا يتوقف عند حدود المال أو الشهرة، بل يتعدى ذلك ليشمل الأخلاق والقيم الإنسانية.
ختامًا، لا يمكن تجاهل دور القدوة في تشكيل المجتمع، ولكن يجب أن يتم تقييم هذه القدوات من خلال نظرة نقدية تحرص على الأخلاق، فغياب الأخلاق يعني انتفاء القدوة، بغض النظر عن المظاهر أو المناصب. إن بناء مجتمع قائم على القيم الأخلاقية هو الطريق لضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة.
أخيرا ماأجمل قول الشاعر:
إنما الأمم الاخلاق مابقيت – فإن ذهبت أخلاقهم ذهبوا







