كانَ القلمُ صديقي، والورقةُ ملاذي. أكتبُ لأحيا، أتنفَّسُ بينَ السُّطورِ، وأسمعُ صدى أفكاري يتردَّدُ بينَ الكلماتِ. لكنْ تِلكَ المرَّةُ، حينَ مددتُ يدي إلى القلمِ، شعرتُ بهِ أثقلَ من أيِّ وقتٍ مضى. لم يكنِ القلمُ فقط، بل الجُرحُ الخفيُّ الذي تركتْهُ كلماتُ النَّاقدِ في أعماقي.
كلماتُهُ لم تكنْ مجردَ نقدٍ؛ كانتْ أشبهَ برياحٍ عاتيةٍ اقتلعتْ يقيني بأرضي. أصبحتِ السُّطورُ صامتةً، كأنَّها تخشى أن تكونَ شاهدةً على محاولتي الفاشلةِ. الورقةُ البيضاءُ لم تعدْ تحملُ وعودًا بالإبداعِ، بل تحديقًا صامتًا يثقلُ الرُّوحَ.
تساءلتُ: هل أخطأتُ في حُلمي؟ هل كنتُ أرى وهجًا زائفًا في مرآةِ الكلماتِ؟ شعرتُ بالاختناقِ، وكأنَّ الهواءَ نفسَهُ يرفضُ أن يملأ صدري.
لكنَّ في عمقِ الصَّمتِ، وجدتُ صوتًا خافتًا يُناديني. ربما كانَ النَّقدُ مرآةً لم أستطعْ مواجهةَ انعكاسِها بعد. أوكانتْ تلكَ الكلماتُ القاسيةُ سكينًا فتحتْ جرحًا قديمًا، لكنهُ جرحٌ يحتاجُ إلى شفاءٍ، لا إلى نكرانٍ.
الآن، أكتبُ لأستعيدَ نفسي، لأثبتَ أنَّ الكلماتِ ليستْ مجردَ أصواتٍ نسمعها ، بل أرواحٌ نحياها . النَّقدُ علَّمني أنَّ الكتابةَ ليستْ فقط عن القبولِ، بل عن الصُّمودِ. أن أكتبَ، رغم أنفِ العثراتِ، رغمَ الأوزانِ التي ألقتها كلماتُ الآخرينَ على كتفي.
سأعودُ إلى قلمي، لا لأنهُ خالٍ من العيوبِ، بل لأنهُ مليءٌ بالحياةِ. والنَّقدُ، مهما كانَ ثقيلًا، لن يكونَ سوى حجرٍ أضعُهُ في أساسِ عالمي، لا جدارًا يحجبُ نوري.