مقالات وآراء

دوّامة الصدمات في مجتمعاتنا

سمير الفرشوطي ✍️ المدينة المنورة 

بين الخفاء والظهور، بين الحقيقة والزيف، تدور مجتمعاتنا في دوّامات لا تهدأ.

نحن لا نعيش الحياة كما نعتقد، بل نُساق في مجتمعاتنا وسط دوّامات متلاحقة، بعضها ظاهر بوضوح، وآخر خفي ينهش الأعماق دون أن يُرى. هذه الدوّامات لا تشبه العواصف العابرة، بل هي زلازل مستمرة تشق القيم، وتعيد تشكيل الوعي، وتُربك الثقة بين الأفراد.

في كل زاوية من زوايا الحياة، تتولد صدمة.

صدمة من خيانة صديق، وصدمة من موقف مجتمع، وصدمة من غدر من ظنناه مرآة للصدق.

هناك دوّامات من الخداع تحيط بنا، تُلبس الأكاذيب ثوب الحقيقة، وتمنح المزيف سلطة الصدق.

وهناك دوّامات من الكذب تتغذى على ضعف الضمير، وتنتشر في تفاصيل الكلام والمعاملة والوعود.

الأشد إيلامًا ليست الصدمات الواضحة التي نستطيع مواجهتها، بل تلك التي تنمو في الظل، بصمت، حتى تُصبح جزءًا منّا دون أن نشعر.

نصحو كل يوم على شعور بالخذلان، دون أن نعرف سببه.

نغادر المجالس مثقلين، دون أن نُمسك بجذر ما يُنهك أرواحنا.

إنها الصدمة الخفية التي تُراكم هشاشة داخلية، وتطفئ ببطء شعلة الثقة في الآخر.

وفي المقابل، هناك صدمات عنيفة لا رحمة فيها. تُكسر فيها الروح على مرأى من الجميع. يتعرض لها من يواجه مصالح متضاربة، أو يقف في وجه الباطل بجرأة.

هذه الصدمات لا تحتاج إلى تحليل نفسي، فهي كالصواعق، تحرق وتترك رمادًا لا يزول بسهولة.

الأكثر خطورة من الصدمات ذاتها، هو أن نعتادها.

أن نصبح جزءًا من الدوامة دون مقاومة.

أن نبرر الأكاذيب بدعوى المصلحة.

أن نصمت أمام الزيف بدعوى الحكمة.

أن نُقنع أنفسنا بأن الخداع ذكاء، وبأن الانحناء للظلم وعي.

إن استمرار هذه الدوّامات، الظاهرة والخفية، يهدد نسيج المجتمعات، ويُربك معنى القيم، ويُحطّم الثقة التي تُبنى عليها العلاقات.

نحن بحاجة إلى وقفة.

وقفة نتحرر فيها من الدوّامة.

وقفة نُعيد فيها تعريف الصدق، والوضوح، والكرامة.

فالحياة وسط الدوّامات ليست حياة

بل سقوط بطيء في فراغ لا قاع له

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com