د. أمل حسين العوامي:علاج التوحد يعتمد اساسا على التدخل المبكر وتقديم الخدمات مثل علاج التواصل والكلام وكذلك التحليل السلوكي التطبيقي والعلاج الوظيفي.
نوير سعود الحارثي - الرياض.


نسعد في هذا الحوار الصحفي باستضافة الدكتورة أمل حسين العوامي استشارية طب تطور وسلوك الأطفال/ مستشفى جونز هوبكنز أرامكو الطبي كما أنها تحضي بلقب صديقة الأطفال.
الدكتورة أمل حسين العوامي أرحب بك في هذا الحوار ونحن سعداء جداً باللقاء معك:
دكتورة أمل سنبدأ حوارنا بأهم سؤال وهو عند ولادة الأطفال وفي أثناء فترة نموهم ما هو السن المعتاد الذي يبدأ فيه الطفل بالتحدث والكلام؟
من الافضل ان نجيب عن هذا السؤال على شقين والشق الأول: هو التواصل بين الطفل والمحيط يبدأ من الولادة، فحين يبكي الطفل والام ترضعه فهو يتواصل مع محيطه، ثم يبدأ بالتواصل عن طريق النظر بالمتابعة والابتسامة، ثم في عمر الشهور يتواصل الرضيع بطرق غير لفظية عن طريق مثلا قبض وبسط اليد عندما يريد شيئا، او يرفع يديه عاليا دلالة على رغبته لحمله من قبل مقدم الرعاية.
اما الشق الثاني: وهو الكلام والتحدث فسوف اقسمه على حسب عمر الطفل: يبدأ الطفل بالمناغاة على عمر شهرين الى اربعة أشهر وهذه المناغاة عادة متبادلة مع الاشخاص من حوله، ثم يبدأ على عمر ستة اشهر بالبلبلة وهي اخراج الاصوات ذات المقاطع الصوتية المتكررة: مثل بابابابا او دادادادا او ماماماما، وعلى عمر تسعة اشهر تقريبا تبدأ تتقلص المقاطع الصوتية هذه الى مقطعين فيصبحوا “ماما” و “بابا” وعادة تكون الكلمة هذه غير موجهة، بل تكون للجميع ويبدأ تخصيصها للوالدة او الوالد على عمر السنة عند معظم الاطفال.
أما على عمر السنة عادة يوجد ثلاث كلمات كمحصول لغوي عند الاطفال، ومن بعد ذلك يتم زيادة المحصول اللغوي اعتماداً على ما يسمعه الطفل ويجده مستخدم معه وله، وعلى عمر السنة والنصف يكون عدد الكلمات في المحصول اللغوي حدود خمس الى عشر كلمات.
وهنا على عمر السنتين يكون المحصول خمسين الى مئة كلمة، ويستطيع الطفل وضع كلمتين في جملة واحدة، وعلى ثلاث سنوات محصول الطفل اللغوي مائتين الى ثلاثمائة كلمة، ويستطيع تكوين ثلاث كلمات في جملة واحدة، وعلى عمر اربع سنوات يكون الطفل قادر على المحادثة ووصف الاحداث بشكل مبسط.
هل يعني أن الطفل عندما يتأخر في النطق والحديث في العمر الذي من المفترض أن يتحدث هل يعني انه مصاب بالتوحد؟
لا ابداً
التأخر في الكلام من أكثر التأخيرات النمائية شيوعا، والتي تصيب الاطفال، وقد تصل الى عشرة بالمئة من الأطفال، وتأخر الكلام يصاحب الكثير من الاطفال الذين يشخصوا لاحقا بالتوحد، لكنه ليس شرط من شروط التشخيص، ولكن من المهم ان نعرف ان تشخيص التوحد لا يعتمد على شيء واحد او عرض محدد، بل هو مجموعة من الاعراض والتأخيرات النمائية في مهارات التواصل الاجتماعي مع وجود اهتمامات مقيدة وحركات نمطية مع صعوبات حسية.
في اي سن يتم تحديد أن الطفل لديه توحد وماذا يجب على الأسر لتفادي التأخر في التشخيص والعلاج؟
من الممكن ان يتم تشخيص الطفل على عمر السنة والنصف على يد اختصاصي في هذا المجال، لكن نرى المعتاد هو تشخيص الطفل بين ثلاث الى أربع سنوات عند دخولهم الروضة وتلاحظ المعلمات وجود صعوبات في التواصل ووجود فوارق بينه وبين اقرانه، ومن الافضل ان يتم التشخيص مبكرا ليتم التدخل المبكر لما له من فوائد كثيرة في تغيير مجرى الاضطراب واكتساب المهارات المفقودة وذلك بالكشف المبكر عن الاعراض حتى قبل ما يبدأ الاهل او المعلمات بالقلق حيال تطور الطفل.
عندما يتم تشخيص الطفل بأنه توحدي هل يتم استخدام العلاج الدوائي فوراً أم هناك بدائل أخرى؟
ج: العلاج الدوائي ليس من الاولويات ابدا في العلاج وحقيقة لا توجد ادوية لعلاج الاعراض الرئيسية للتوحد، بل الادوية تستخدم لعلاج الاضطرابات المصاحبة للتوحد مثل اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه او القلق او غيره، واشدد هنا الادوية ليست الخط الاول في العلاج ولا تعالج اعراض التوحد.
عندما يتم استخدام البدائل المبدئية هل هذا الوقت يضيع ويزيد من تقدم الحالة المرضية؟
علاج التوحد يعتمد اساسا على التدخل المبكر وتقديم الخدمات مثل علاج التواصل والكلام وكذلك التحليل السلوكي التطبيقي والعلاج الوظيفي. وكلما بدأنا في هذه التدخلات باكرا حتى قبل الوصول للتشخيص كلما كانت النتيجة أفضل، والتأخير ليس من صالح الطفل.
ما الذي يزيد من سوء اضطراب التوحد لدى الأطفال؟
عدم اعطاء الطفل احتياجاته الخاصة تؤثر على تطوره او اكتسابه المهارات فمن الطبيعي ان يكتسب طرق غير فاعلة للتواصل او سلوكيات غير مرغوبة، وتكون اهتماماته المقيدة او الصعوبات الحسية عائقا له عن التعلم والتطور وهنا نرجع من جديد انه التدخل المبكر امرا مهما ومركزيا في تطوير الطفل وهنا أحب أن اقول انه التدخل في كل الاوقات وفي كل الاعمار ضروري وان لا نعتقد انه غير فاعل، ولكن من المثبت انه التدخل المبكر هو الذي يحدث فرقا واضحا.
دكتورة أمل في مجتمعنا يكثر القيل والقال حول علاج التوحد ومجتمعنا يتبع العادات والتقاليد فيما يخص الأدوية والعلاجات ويؤثرون على الاطفال من ذوي التوحد سلبياً بهذه المشورة وقد يضغطون على الأمهات الذين لديهم أطفال لديهم توحد باستخدام الأعشاب او الذهاب لمشايخ للقراءة على أطفالهم او كثير من البدائل العلاجية التي لا صحة لها في العلم ومنها ما ظهر مؤخراً حول علاج أطفال التوحد بحليب الأبل ما هو ردك على هذه الأقاويل وبماذا تختصرين الطريق على أمهات من ذوي التوحد وإلى أين يتوجهون عندما يعلمون أن طفلهم لديه توحد؟
اضطراب التوحد لكونه ليس معروفة اسبابه ولا يوجد علاج سريع له جعل هناك مساحة للمعلومات الخاطئة والاقتراحات غير العلمية، والاهل مثل من يتعلق بالقشة ومستعد لتجربة اي شيء من اجل مساعدة أطفالهم، وطبعا يوجد من يصطاد في الماء العكر ويرغب في استغلال الاهل وبيعهم الوهم، وهنا أوجه نصيحتي العامة: انه كلما سمعنا عن علاج جديد بأن نضع في بالنا هل هو مفيد وامن؟ او غير مفيد لكنه أمن؟ في هذه الحالة لا بأس من التجربة، اما اذا كان غير امن و غير مفيد فالأفضل عدم اضاعة الوقت والجهد والمال في تجربته، وكذلك لابد ان نتحرى مصدر المعلومة وهل هناك اثبات علمي على نجاعتها قبل استخدامها والافضل اخذ مشورة من اهل الثقة والعلم في مجال التوحد.
دكتورة أمل هل العامل الوراثي وقرابة الأم والأب هل قد تكون سبب في إنجاب طفل توحدي؟
لم يثبت العلم الى الان طريقة وراثة التوحد فهو على الاغلب بسبب تغيرات جينية وتفاعلها مع البيئة، ولكن لم يثبت علاقته بالأمراض الوراثية المتنحية التي تزيد مع زواج الأقارب.
دكتورة أمل هل يوجد احتمالية لإصابة الشخص البالغ أو الشاب بالتوحد وهو كبير اي أنه يكون منذ الصغر سليم وعندما يكبر ويتعرض لمساوئ الحياة يصبح توحدي؟
جزء مهم جدا من التشخيص ان تكون الاعراض موجودة قبل عمر سبع السنوات، ولكن ما نراه في بعض الاحيان من تأخر التشخيص فيكون بسبب اعطاء تشخيصات خاطئة، غير التوحد او الامور غير واضحة في البداية مع وجود انكار للأعراض او التجاوز عنها وكأنها جزء من شخصية الطفل اوقد يكون السبب عدم وجود رعاية طبية متخصصة كافية وشاملة مما يؤدي الى تأخر التشخيص والتوحد ليس اضطراب مكتسب ليتكون مع الوقت، بل هو موجود على الاغلب من الولادة وتظهر الاعراض في فترة السنوات الاولى من عمر الطفل.
هل يمكن ان الطفل التوحدي عندما يكبر يشفى؟
تسعة بالمئة فقط من الاشخاص من ذوي التوحد تختفي عندهم اعراض التوحد عند الرشد مما يعني لا توجد اعراض كافية لاستيفاء الشروط اللازمة لتشخيص التوحد، ويوجد بالطبع التشخيصات الخاطئة والتي توضح الامور مع الوقت على انه لم يكن هناك توحد بالفعل، ومن المهم ان نعرف ايضا هنا انه اعراض التوحد تتغير مع الوقت وتظهر امور اخرى مثل القلق او الاكتئاب، والذي قد يكون اكثر تأثيرا على فاعلية الشخص اكثر من التوحد وتأخذ الاولوية في التشخيص، لكن بالعموم التوحد من الاضطرابات التي تبدا في الطفولة المبكرة وتستمر مدى الحياة مهما تغيرت طرق الاعراض او الصعوبات التي يمر بها الشخص.
ما هو التعامل الأمثل مع الأشخاص من ذوي التوحد؟
التعامل معهم من ناحية الاهل: ان يحبوه ويراعوه ويساووا بينه وبين اخوانه واخواته ويعمدوا على تربيته وتهذيبه مثل الاخوة والاخوات مع مراعاة الفوارق التي تكون موجودة بين الاخوة عادة وان لا ينسى الاهل انه طفل يحتاج الى رعاية وحب ومرح ووقت راحة ووقت عمل فهو في الاول والاخير طفل.
بالنسبة للمجتمع: ان يراعي المجتمع الخصوصية، والاحتياجات لهذه الفئة من الاشخاص، من مدارس
ومراكز واماكن ترفيه وتقبل، وكذلك دعم الاهل نفسيا ولوجستيا لتدريبهم كيفية التعامل مع الاطفال من ذوي التوحد، والعديد من الاشخاص من ذوي التوحد بصريين اي انهم يفضلوا الصور على الكلام فيمكن التواصل معهم عن طريق الصور وايضاح المطلوب منهم عن طريق الصور والقصص الاجتماعية التي توضح الفكرة، بعض الاطفال لديهم صعوبات حسية بحيث يتأثروا بالأصوات او الاضاءة او ملمس الأشياء فنضع ذلك في اذهاننا حين التعامل معهم وسؤال الاهل مسبقا عما يحبوا او يكرهوا لكي نستطيع جذبهم بطريقة جيدة.
هل تأثر عالم التوحد في ظل جائحة كورونا وما هو الشيء الذي تأثر كثيراً؟
يوجد العديد من الاثار السلبية التي اثرت فيها جائحة كورونا على الأشخاص والعوائل من ذوي التوحد ومنها: العزلة القسرية والتي اثرت وبشدة على مهارات التواصل الاجتماعي لديهم مما أدى الى تراجعها.
كما انه يوجد أسباب أخرى أدت الى زيادة القلق والارتباك عند الأشخاص من ذوي التوحد:
-اختلال الروتين الذي أدى الى المزيد من القلق من غير فهم سبب حدوث كل هذه التغييرات.
– وضع الكمامة التي اخفت المعالم والتعبير عن الشعور أدى الى المزيد من سوء الفهم والارتباك في فهم المحيط.
-اختفاء بعض المدربين او مقدمي الرعاية بسبب المرض او الوفاة.
-إصابة مقدمي الرعاية او الأشخاص من ذوي التوحد انفسهم ومتطلبات العزل الصحي.
وتوجد اكيد ايجابيات في ظل الجائحة ومنها:
– قضاء وقت اطول مع العائلة.
– تباطئ وتيرة اليوم مما يجعل استيعابها أسهل على الاشخاص من ذوي التوحد.
– خلق عالم أفضل للأشخاص من ذوي التوحد بعد الجائحة بإيجاد طرق للتواصل التي أصبحت معتادة من قبل العديد من الناس، والتي قد لا تتطلب الكثير من التواصل المباشر الذي يشكل ضغطا على الاشخاص الذين يفتقدون مهارات التواصل المباشرة.
هل ترين أن المجتمع لديه وعي حول الأشخاص من ذوي التوحد؟
ارى انه قد تحسنت نظرة الناس للتوحد، لأنها اصبحت أكثر وعيا بوجود الاضطراب، وهناك وعي أفضل بضرورة التشخيص المبكر والتدخل المبكر، لكن ما زال امامنا المزيد من المساحة الفارغة، التي تحتاج الى ملئها بالمعلومات القائمة على العلم، ودحض المعلومات الخاطئة، والقائمة على الخرافات، والتسويق لأشياء غير منطقية، وقد تكون ضارة.
ماهي نصيحتك التي تقدمينها لكل أسرة ولكل أم وأب لديهم شخص من اضطراب طيف التوحد؟
– الحب والاحتواء والتقبل هم اول الخطوات نحو النجاح والتطور، ان يضعوا خطط قصيرة الاجل لأطفالهم، وان تكون هذه الخطط والاهداف واقعية ومناسبة للطفل وقدراته، وان يتركوا التركيز على المستقبل البعيد الذي هو بيد الله سبحانه وتعالى، وان يكونوا ايجابين، وان يعتنوا بأنفسهم لأنه الطفل هذا يحتاجهم ان يتماسكوا ويمسكوا بيد الطفل لبر الأمان، و أن يتم تثقيف الذات ورفع مستوى الوعي، والعلم بالتوحد يؤدي الى تقبل الشخص كما هو، ومعرفة نقاط قوته لتنميتها، ونقاط الضعف للعمل على توقيتها.
– التدرب على كيفية التدخل المبكر في المنزل، وكيفية التعامل مع السلوكيات المختلفة، ومحاولة فهم مصدرها وسببها، يساعد كثيرا على التقليل من هذه السلوكيات، وتوجيهها الى افعال إيجابية ومفيدة.
– الا يتأخر الاهل عن طلب الافضل لأطفالهم، لدمجهم في المجتمع، والمدرسة، والشارع، والمسجد، وكل مكان والا يشعروا ان اطفالهم اقل اهمية من غيرهم، بل على العكس فهم لهم حقوقهم على المجتمع كله، والا يترددوا في سؤال المختصين عن كل ما يستجد في الساحة، و ان يطلبوا المعونة، و المشورة للوصول إلى الخيارات المناسبة لأطفالهم، وان يكون الاهالي مناهضين لحقوق اطفالهم ويكونوا لسانهم الناطق.
إعداد وحوار:
نوير سعود الحارثي.
متخصصة بالإعلام والصحافة والنشر الالكتروني.





