رمضان… حين نخضع الفوضى الداخلية لسلطة النور

بقلم : فاطمة الحربي
رمضان ليس شهرا للجوع، بل موسم لاعادة هندسة الروح.
هو لحظة فاصلة بين انسان تقوده رغباته، وانسان يقود رغباته. بين من يعيش تحت املاءات الهوى، ومن يختار ان يضع الهوى في موضعه الطبيعي: تابعا لا متبوعا.
في داخل كل واحد منا ساحة صراع صامت ، رغبة تستعجل، وعقل يتروى ، نزوة تندفع، وبصيرة تحذر.
وفي غير رمضان قد نساوم أنفسنا، نبرر، نؤجل، ونخدر الضمير بأعذار أنيقة. لكن في رمضان تسحب المبررات من تحت اقدامنا. لا طعام، لا شراب، لا ملاذ سريع يهرب بنا من مواجهة ذواتنا. فجأة نصبح وجها لوجه مع حقيقتنا العارية.
تهذيب السلوك في رمضان لا يبدأ من الامتناع عن المفطرات، بل من الامتناع عن التواطؤ مع ضعفنا.
أن تصوم يعني أن تعترف أن داخلك قوة أعلى من نزوة عابرة. أن تقول للجسد: لست سيدي. وللهوى: لست مرجعي.
الهوى ليس خطيئة في ذاته، لكنه يصبح خطرا حين يتنكر في هيئة حق. حين يقنعك أن ميلك هو معيارك. هنا يبدأ الانحراف الخفي؛ لا ذاك الصاخب الذي يلفت الأنظار، بل ذاك الناعم الذي يسرق الاتجاه دون أن نشعر.
رمضان فرصة لكسر هذا الانزلاق الصامت ، هو إعادة ضبط للبوصلة.
الإنسان حين يجوع، تتعرى داخله طبقاته. يسقط القناع الاجتماعي، ويظهر معدن الصبر. لذلك فالصيام ليس قيدا، بل اختبار حرية. الحرية الحقيقية ليست أن تفعل ما تريد، بل أن تملك القدرة على ألا تفعل ما تريد.
في هذا الشهر، ندرب النفس على أن تتحمل الحرمان المؤقت من اجل المعنى الدائم.
نعلمها ان اللذة ليست غاية، وان الكرامة الروحية اعلى من الاشباع اللحظي.
نواجه مخاوف الميل: الخوف من الفقد، من الوحدة، من ان لا تشبع الرغبة فورا. وعندما نصمد، نكتشف ان اكثر ما كنا نخافه لم يكن الا وهما صنعته العادة.
تهذيب السلوك في رمضان يعني أن ننتبه للتفاصيل الصغيرة:
أن نخفض صوت الغضب قبل ان يرتفع.
أن نكسر دائرة الغيبة قبل ان تكتمل.
أن نراجع نيتنا قبل ان نراجع افعالنا.
لأن السلوك ليس حركة الجوارح فقط، بل اتجاه القلب.
كثيرون يصومون عن الطعام، لكن قلة يصومون عن الانتقام.
كثيرون يجوعون، لكن نادرا من يروض شهوة التفوق الزائف، او حاجة الظهور، او رغبة السيطرة.
رمضان يختبر كل ذلك في صمت.
والأهم أن نخلع خوف الاستدامة الوهمية؛ خوف أن نفقد لذتنا أن تركنا ما نهوى. الحقيقة ان ما نتركه لله لا ينقصنا، بل يعيد تشكيلنا. الانفصال عن عادة سيئة ليس خسارة، بل تحرير. كسر ميل منحرف ليس حرمانا، بل استرداد للاتزان.
في النهاية، رمضان ليس محطة عاطفية عابرة، بل معمل إعادة بناء.
أما أن نخرج منه وقد ارتفع سقف وعينا، أو نخرج كما دخلنا… بجوع فقط.
من أراد أن يهذب سلوكه في رمضان، فليبدأ من سؤال قاس: من يقود حياتي حقا؟ أنا… ام نزواتي؟
حين نجرؤ على الإجابة بصدق، يبدأ التغيير.
وحين ننتصر مرة واحدة على هوى النفس، نكتشف أن الطريق إلى الرشد لم يكن بعيدا… بل كان ينتظر قرارا.
إهداء إلي ….
إلى نفسي قبل أن تهتدي، وإلى كل من ينتصر على هواه بصمت، وإلى من اختار الرشد حين كان الهوى أسهل