روسيا… حين يصبح الشتاء مساحة للتنفس

فاطمه الحربي
في الشتاء الروسي لا يستقبلك البرد كعدو، بل كحارس صامت يطلب منك التمهل. كل شيء هناك أبطأ، أهدأ، وأكثر صفاء. الشوارع مغطاة بطبقة بيضاء تخفف ضجيج العالم، والسماء رمادية بما يكفي لتجبرك على النظر للداخل لا حولك.
سافرت إلى روسيا في فصل الشتاء، لا بحثًا عن الدفء، بل عن اتساع مختلف. عن مسافة آمنة بيني وبين ازدحام الأيام. السفر هنا لم يكن تغيير مكان فقط، بل إعادة ترتيب الإحساس بالوقت، وبالنفس.
المدن الروسية في الشتاء لا تُبهر بالزينة، بل بالثبات. مبانٍ عتيقة تقف بثقة أمام البرد، ساحات واسعة تتنفس بصمت، ومقاهٍ صغيرة تمنحك شعورًا غريبًا بالألفة، كأنك ضيف متوقع منذ زمن. كوب قهوة ساخن، نافذة تطل على الثلج، وذاكرة تبدأ بالعمل دون استئذان.
في السفر، نكتشف أننا لسنا بحاجة للهروب بقدر حاجتنا للانفصال المؤقت. أن نبتعد قليلًا كي نرى بوضوح. روسيا في الشتاء منحتني هذا المعنى؛ أن تكون بعيدًا دون أن تكون ضائعًا، وأن تمشي في مدن لا تعرفك، لكنها لا تضغط عليك لتكون أحدًا غير نفسك.
الفائدة الحقيقية من السفر لا تكمن في الصور ولا في عدد المدن، بل في تلك اللحظات الصغيرة التي تعيد توازننا الداخلي. حين نمشي كثيرًا دون هدف، نلاحظ التفاصيل، نصغي لأفكارنا، ونترك للأيام الثقيلة فرصة أن تهدأ وحدها.
الشتاء الروسي علّمني أن القسوة الظاهرة قد تخفي سلامًا عميقًا، وأن البرد لا يعني الفراغ، بل أحيانًا يعني النقاء. وأن السفر ليس رفاهية، بل ضرورة إنسانية؛ استراحة واعية نمنحها لأنفسنا قبل أن نعود أقوى، أخف، وأكثر امتنانًا.
عدت، ولم يعد كل شيء كما كان. ليس لأن الظروف تغيّرت، بل لأن المسافة التي صنعتها جعلتني أرى الحياة بحجمها الحقيقي. وهذا، في حد ذاته، مكسب لا يُشترى.
![]()