سر المعارك في جزيرة العرب…وتغزلهم بـ (ريح الصبا)

أسعد المبارك
قد يعجب القارئ الذي يقرأ كتب الأدب العربي من تقاتل العرب فيما بينهم على موضع صغير فيه بئر أو بركة ماء أو عشب !
فإنه سيدرك سر هذا التقاتل في حياة أهل البادية لو كلفّ نفسه يوماً اجتياز تلك البوادي الواسعة العابسة . عندئذ فقط، يدرك أن ذلك القتال الذي وسم أهل الباديه بسمة حب الغزو والغارات لم يكن سببه فردية وأنانية ، وإنما غريزة إنسانية تنبت في كل انسان متى عاش في هذه الظروف القاسية العابسة الفقيرة.
إنها غريزة المحافظة على الحياة ولا غرابة بعد إذا ما تغنى العربي بمواضع المياه والبادية بعد نزول الغيث عليها ، وإذا ما أظهر الحنين اليها ، وتوجّع في شعره وفي غنائه على الليالي المقمرة يقضيها في باديته يناجي سمائه الصافية ونور قمره الساطع يغازله ويوحي اليه ، ويرسل إليه النسمات العليلة ، وإلى جانبه حبيبته . يذكر حسه هذا في شعره وفي غنائه وفي موسيقاه ، حتى ليبدو للقارئ ، وكأن ما يقوله العربي ويحس به نغمة واحدة بسيطة مكررة تعاد وتعاد من غير معنى ولا سبب ،ولكن حسه هذا حس الصحراء ، وليس في الصحراء غير نغم واحد ، تترنم به الطبيعة ، فإما هدوء شامل ، وإما نسمة واحدة، عليلة مستمرة ، وإما عواصف رملية ، إذا هدأت عاد إلى الصحراء هدوؤها المعهود .
وقد يعجب القارئ من تغزل العرب بـ ( ريح الصبا ) ، ومن مدحهم لها إلى حد بلغ الإفراط ، فليس في أشعار العالم ، ولا في نثرهم ، شعر أو أثر فيه هذا القدر من التغزل بريح من الرياح ،وقد لا يفهم الغريب أي تعليل بقدم إليه ولا يقبله ، وخير جواب يقدم اليه هو حضوره بنفسه الى جزيرة العرب للاستمتاع بلذة ) الصبا ( في ليلة مقمرة من ليالي الجزيرة ، وسيعرف عندئذ دلال ) الصبا ( وسحر تغزل العرب بها ، على عكس ( السموم ) التي تشوي الوجوه ، وتعمي العيون ، فتجعل الشعراء يلعنونها ، والناس يتذاكرون ثقلها وشدتها عليهم وما ألحقته سحر بهم من مهالك وأضرار