صلب الحرية

فايزة حامد الثبيتي
صلب الحرية
من قصيدة
على حمرة الشفق
عباس العاشور
أنا الذي استعبدتني الأرضُ ما عرفتْ
شكلَ الفضاءِ ولونَ الأفق أقدامي
حريتي ليس في اطلاق أجنحتي
لكنّ حريتي صَلبي وإعدامي
أفتح ذراعيّ في الليل، أتركهما ممتدتين على اتساع سرير لا يشبه الانتظار. أقول: تعال. أقولها بصوت لا يشبهني، بصوت امرأة تعرف أن كل فتح باب هو غلق لباب آخر، وأن كل احتضان هو فكّ لقيودٍ وربطٌ لأخرى. أفتح ذراعيّ، وأنا أعلم أنني بفتحهما أُغلق على نفسي باب الحرية الذي عشتُ فيه وحدي، وحدي فقط، حرّةً في وحدتي، سيّدةً على فراغي.
لكن الفراغ ثقيل يا سيّدي. الفراغ ليس حرية، الفراغ هو قيدٌ آخر، قيدٌ من نوع أرقى، من نوع لا يُرى. الحرية التي لا يشاركها أحد تصبح عادةً، والعادة سجنٌ أنيق. أنا حرّة، أقول لنفسي كل صباح. أقولها بصوت عالٍ حتى أسمعني، حتى أصدّقني. لكن الصوت يرتد إليّ من جدار لا يجيب.
ثم تأتي أنت. تأتي بصوت لا يرتدّ. تأتي بقلب يريد أن يضمّ قلبي. وأنا أريد، وأنا أريد أن أمدّ ذراعي، أن أقول نعم، أن أتركك تدخل، أن أسمح للقيود أن تُفكّ. لكني أعرف: حين أفكّ قيد الوحدة، أربط نفسي بانتظارك. الانتظار قيد لا يُفكّ بالحضور، لأن الحضور نفسه قيد. أن تكون لي يعني أن أكون لك. أن أكون لك يعني أن أفقد ما تبقّى مني.
أنا الذي استعبدتني الأرضُ ما عرفتْ/ شكلَ الفضاءِ ولونَ الأفق أقدامي
هكذا أنا: أعرف الأرض التي أقف عليها، ولا أعرف الفضاء الذي يدعوني إليه الحب. الأرض صلبة، واضحة، مملة لكنها مضمونة. الفضاء واسع، مفتوح، جميل لكنه يسقط من يقف على حافته. وأنا أقف على الحافة. وأنا أنظر إليك. وأنا أريد أن أطير. وأنا أعرف أن الطيران بلا أجنحة ليس حرية، بل سقوط أطول.
أهرب. أهرب لكي لا أسقط. أهرب لكي أحفظ ما تبقّى مني: رأسي المرفوع، خطوي الذي لا يسأل، صوتي الذي لا يرتجف. أهرب، فأخسر أكثر. أخسرك. أخسر ذراعيّ اللتين لم تتعلّما العناق. أخسر الحرية أيضاً، لأن الحرية التي أحميها بالهروب ليست حرية، بل خوف. والخوف ليس حرية. الخوف قيد يلبس ثوب الحرية.
حريتي ليس في اطلاق أجنحتي / لكنّ حريتي صَلبي وإعدامي
أفهم هذا الآن. أفهم أن حريتي الحقيقية لم تكن يوماً في الهروب منك، بل في المواجهة. في أن أفتح ذراعيّ وأنتظر، دون أن أعرف إن كنت ستأتي، دون أن أعرف إن كنت ستبقى. أن أفتح ذراعيّ وأقبل أن يكون الفتح نفسه هو الإعدام: إعدام الوحدة، إعدام الخوف، إعدام “أنا” الصغيرة التي بنيتها على حساب “نحن” الكبيرة.
لكنني لم أفعل. لم أفتح. لم أقبل. هربت. وهربت. وهربت.
وها أنا ذا. حرّة. حرّة تماماً. حرّة في غرفة لا يطرقها أحد. حرّة في سرير يتّسع لي وحدي. حرّة في صوت لا يجيب. حرّة في انتظار لا ينتهي. أنتظر شيئاً لا أعرف ما هو. أنتظرك. أنتظرني. أنتظر اللحظة التي أقرّر فيها أن الحرية الحقيقية ليست في الهروب من الحب، بل في المخاطرة به.
لكن اللحظة لا تأتي.
ستبقى الأحزان العظمى
تبقى. تبقى معي. وتبقى ذراعيّ مفتوحتين، فارغتين، تنتظران قلباً لا يأتي. تنتظرانني.
النص مستوحى جزئيًا من قصيدة «قربان الجحود» للكاتبة فايزة حامد الثبيتي من كتاب اعتراف مع حفظ كامل حقوقي الأدبية والفكرية.














