مخاوف نزرعها في أطفالنا.. فتحصدها شخصياتهم كباراً




إعداد: خالد علي راجح بركات
الخوف استجابة طبيعية أودعها الله في الإنسان ليحمي نفسه من المهددات ويبقي على حياته، فهو جرس إنذار داخلي يوقظ الحذر عند الخطر. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا الجرس من وسيلة نجاة إلى أسلوب تربية دائم، فنزرع في أطفالنا عشرات المخاوف المتوهمة التي تكبر معهم يوماً بعد يوم، ثم تتحول إلى قلق مزمن ورهاب اجتماعي وأنواع من الوسواس القهري تشل قدرتهم على اتخاذ القرار والمبادرة. الدراسات النفسية تؤكد أن قرابة ثمانين في المئة من المخاوف التي تسيطر على الإنسان مخاوف متوهمة لا تقع أصلاً، والعشرون في المئة المتبقية إما تأتي أخف مما توقعنا وبشكل ألطف، أو يمكن تجاوزها بحلول إجرائية بسيطة لو تعلمنا كيف نواجهها. ومع ذلك ما زلنا نربي أبناءنا على الخوف من كل شيء بدل أن نعلمهم كيف يواجهون أي شيء.
نحن نزرع الخوف بأيدينا حين نصرخ في وجه الطفل إذا سقط على الأرض “انتبه، ستتكسر” بدل أن نقول له “قم، هكذا ينهض الأبطال”، فيربط في عقله بين المحاولة والألم، ويختار القعود الآمن على النهوض الشجاع. ونزرعه حين نحول النظافة إلى هوس، فنشدّد على الجراثيم حتى يخاف الطفل من لمس التراب ومن اللعب ومن مصافحة الناس، فيكبر وهو يرى العالم ملوثاً ويعيش بوسواس يحرم عليه الطمأنينة والتلقائية. ونزرعه حين نكرر على مسامعه “لا تغلط، عيب، ماذا سيقول الناس عنك”، فنصنع جيلاً يخاف من التجربة ويؤجل قراراته ويموت ألف مرة قبل أن يرفع يده في الصف أو يتكلم في اجتماع.
كما نغذي مخاوف الغيب بشكل مشوه حين نخوفه من الجن وننسى أن نغرس فيه الثقة بملائكة الرحمة وحفظ الله، ونخوفه من العين ونهمل تعليمه التوكل والدعاء والأخذ بالأسباب. فيكبر بقلب مرتجف من المجهول بدل قلب مطمئن بالله وبسننه في الكون. ونضيف إلى ذلك الخوف من السلطة الأسرية حين تهدد الأم بالغضب الدائم ويضرب الأب لأتفه الأسباب، فينشأ الطفل خائفاً من قول لا، خائفاً من الاعتراض، خائفاً من الصدق، وحين يكبر يصبح إما خانعاً يقبله كل مستبد أو مستبداً يمارس ما ذاقه في صغره.
وتتسع قائمة المخاوف المزروعة لتشمل الخوف من السمنة فيكره الطفل جسده، والخوف من البكتيريا فيعادي الحياة، والخوف من الفشل فيرفض المحاولة، والخوف من الدرجات المنخفضة فيلجأ للغش، والخوف من ركوب الدراجة فيفقد متعة التوازن، والخوف من كلام الناس فيعيش لهم لا لنفسه. هذه المخاوف تتحول مع الوقت إلى عوائق داخلية متوهمة تجعل الإنسان يرى العوائق قبل الفرص ويهرب من المواجهة إلى التسويف ومن القرار إلى الاستشارة الدائمة ومن الحياة إلى القوقعة. فيفقد المرونة النفسية وتصبح أي صدمة صغيرة كافية لهدمه، لأنه لم يتعلم التفكير بطريقة إجرائية، بل تعلم الاستسلام العاطفي.
البعض يظن أن الفارس لا يخاف، والحقيقة أن الفارس إنسان يخاف لكنه تعلم أن يواجه خوفه ويسيطر عليه ويتحمل عواقبه. لذلك كانت رياضة الفروسية من أعظم المدارس التربوية، فهي تعلم الطفل أن يسقط عن ظهر الجواد ثم يعود ليمتطيه من جديد، وأن يضبط لجام مخاوفه قبل أن يضبط لجام فرسه. ومثلها الرياضات القتالية المنضبطة التي يشرف عليها مدربون يفهمون الفرق بين الشجاعة والتهور، فهي تعلم الطفل أن الألم محتمل وأن الخصم يمكن التغلب عليه بالتدريب والانضباط لا بالصراخ والفوضى، وأن الشجاعة تُبنى بالتكرار الآمن لا بالحماس غير المدروس.
نحن بحاجة أن نستبدل عبارة “انتبه تطيح” بعبارة “إذا طحت كيف تقوم”، وأن نستبدل “العالم يخوف” بعبارة “العالم فيه تحديات وأنت قدها”. نحتاج أن نعلم أبناءنا خطوات التفكير الإجرائي: حدد المشكلة، فكر في حلين، جرب، قيم النتيجة، تعلم. هذا الأسلوب يقتل الوهم قبل أن يقتلنا الوهم. المخاوف مثل النار قليلها يدفئ وكثيرها يحرق، فلنزرع في أطفالنا دفء الحذر لا حريق الرعب. لنصنع جيلاً يدرك أن الشجاعة ليست غياب الخوف، بل هي القرار بأن هناك ما هو أهم من الخوف. حينها سنراهم كباراً يقتحمون الحياة بثبات ولا يرتجفون من ظلال زرعناها نحن في طفولتهم.





