حضر الأخضر… وغابت الروح


بقلم الكاتب: سيّار عبدالله الشمري
انتهت رحلة المنتخب السعودي في نهائيات كأس العالم 2026 عند محطة دور المجموعات، نهاية لم تكن على قدر الآمال ولا بحجم الطموحات التي حملها الجمهور السعودي وهو يودع “الصقور الخضر” إلى أكبر محفل كروي في العالم.
حضر الأخضر في كشوفات البطولة، لكنه غاب عن أرض الملعب بروح المنافسة التي عرف بها في مشاركاته السابقة. ثلاث مباريات أمام الأوروغواي وإسبانيا والرأس الأخضر، لم يحصد خلالها سوى نقطتين من تعادلين، وسجل هدفًا وحيدًا، بينما استقبلت شباكه خمسة أهداف، ليودع البطولة مبكرًا بأرقام تعكس واقعًا فنيًا مؤلمًا لا يليق بمنتخب يمثل دولة استثمرت الكثير في تطوير كرة القدم ووضعت الرياضة ضمن أهم مستهدفات رؤية المملكة 2030.
الجماهير السعودية لم تكن تطالب بحمل الكأس، لكنها كانت تنتظر منتخبًا يقاتل حتى الدقيقة الأخيرة، منتخبًا يعكس حجم الدعم الذي يحظى به، ويقدم شخصية واضحة داخل الملعب، ويمنح المشجعين الإحساس بالفخر حتى وإن جاءت النتائج عكس التوقعات. لكن ما شاهدناه كان أداءً باهتًا، وشخصية غائبة، وعجزًا هجوميًا واضحًا، وارتباكًا دفاعيًا كلف المنتخب الكثير.
المنتخب السعودي يمتلك عناصر موهوبة ولاعبين قادرين على تقديم مستويات أفضل بكثير مما ظهروا به، ولذلك فإن تحميل اللاعبين وحدهم مسؤولية الإخفاق سيكون تبسيطًا للمشهد. فالنجاح أو الفشل في المنتخبات الوطنية هو نتاج منظومة كاملة تبدأ من التخطيط والإعداد، مرورًا باختيار الجهاز الفني، وبرامج الإعداد، والاستقرار الإداري، وانتهاءً بالأداء داخل المستطيل الأخضر.
ومن هنا يبرز السؤال الذي يطرحه كل مشجع سعودي: من يتحمل مسؤولية هذا الخروج المؤلم والمستوى الباهت؟
هل هي خيارات الجهاز الفني التي لم تنجح في صناعة فريق قادر على المنافسة؟ أم أن الإعداد لم يكن بالمستوى المطلوب؟ أم أن هناك خللًا في استثمار الإمكانات الكبيرة التي وفرتها القيادة الرياضية لكرة القدم السعودية؟ أم أن المسؤولية مشتركة بين جميع الأطراف؟
المؤكد أن النقد اليوم يجب أن يكون موضوعيًا وبعيدًا عن الانفعال، لأن الهدف ليس البحث عن شماعة نعلق عليها الإخفاق، بل الوصول إلى الأسباب الحقيقية حتى لا يتكرر المشهد في الاستحقاقات المقبلة، وفي مقدمتها التصفيات والبطولات القارية القادمة.
لقد أثبتت المملكة خلال السنوات الأخيرة أنها قادرة على تنظيم أكبر الأحداث الرياضية وجذب أفضل النجوم العالميين، لكن نجاح المشروع الرياضي لا يكتمل إلا بمنتخب وطني قادر على ترجمة هذه النهضة داخل الملعب، ومنافسة كبار العالم بثقة وشخصية وهوية فنية واضحة.
الخروج من دور المجموعات ليس نهاية الطريق، لكنه يجب أن يكون بداية مراجعة شاملة وصادقة، تتسم بالشفافية والمحاسبة، لأن الجماهير التي وقفت خلف منتخبها في كل الظروف تستحق أن تعرف ماذا حدث، وكيف سيتم تصحيح المسار.
حضر الأخضر في كأس العالم… لكن الروح التي طالما صنعت إنجازاته غابت. وبين الحضور الجسدي والغياب المعنوي، يبقى الأمل أن تكون هذه المشاركة درسًا يعيد للمنتخب السعودي هيبته، ويعيد معه تلك الروح التي طالما كانت سر قوة الصقور الخضر في المحافل العالمية.







